هل تنقرض اللغة العربية….

يونيو 30th, 2007 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , لغة عربية

اللوحة بريشة الفنان عاشق الخط العربي .. حامد العويضي
هل تنقرض اللغة العربية
 
 
منذ أيام زارني أحد أبناء العائلة ومعه صديق له..  للاستذكار في  الشرفة  البحرية   و الاستمتاع بالهواء المنعش اثناء فترة الامتحانات الطويلة للثانوية العامة.. كان من الطبيعي أن أرحب بهما ببعض الكلمات واسألهما السؤال التقليدي أي الكليات سيختار كل منهما..
قال أحدهما: آداب لغة عربية.. فقاطعه الثاني.. بل لغة إنجليزية.. فتساءلت وما عيب قسم اللغة العربية.. فأسرع الثاني بالرد:
-  العربي كله كلاكيع .. واتجه بالحديث إلى زميله .. أتعرف من قال هذا البيت
ومد عشر بالقعطلين تحشرمت     شرفاته فخر كالخزي بعطلي
و تفشخط الفشخاط في شخط الخفى  متفشخطا في وركة البعبعلي

ضحك زميله معلقا.. هذا شعر عادل إمام.. فلحقه قائلا.. بل شاعر من العصر العباسي حصل على وزنه ذهبا   على تلك الأبيات… و تدخلت لإنهاء الحوار بينهما قبل أن يسألاني عن معنى الأبيات.. وحتى يستأنفا الاستذكار.. معلنة عن إحضار بعض المرطبات وشطائر من الشاطر والمشطور والكامخ بينهما (أي السندوتشات).. لكن الحديث أثار في نفسي شجون..  وخاصة أن المدونات كانت وقتها تعيش حالة جدل ونقاش مسْتَعرين بين  كل من الفيل وفريق النقد الأدبي عن حق التدوين بالعامية.. وبالمناسبة كلمة تدوين من الديوان أصلها فارسي.. لا عربي.. وإذ كنت أتابع النقاش ببعض الشغف.. كانت نفسي تحدثني بحق كل واحد منا في الكتابة عما يدور بخلده بأي أسلوب شاء .. وخاصة أننا جميعاَ .. دون استثناء..   نتعثر  بأخطاء في اللغة العربية.. وأول المتعثرين  المنتقدون..  والذين يرفعون  راية الحفاظ على اللغة…إنها الحرية اللعينة التي نقدسها فتنزلق بنا إلى طريق الشيطان.. ولا فائدة من اللوم  فالمزالق كثيرة ممتدة منذ قديم الزمان..    عاميًُ وأعجمي.. لحن و تنغيم.. تأويل ونجوي.. وغريب المفردات.. لا نعرف ما سبب  كل هذا الاختلاف .. و ما إذا  كانت اللغة العربية هي التي تستعصي علينا  .. أم نحن من يعصي عليها..  
 
 والطريف حقا .. أننا  اليوم لا نختلف كثيرا عمن رآهم أبو العلاء المعري محشورين في جهنم منذ مئات  السنين.. جزاء ما صنعوا بلغة القرآن من غريب المفردات وغريب التعريبات .. لا فرق بين  لغونا وما أتاه  منهم ..حتى  فحول الشعراء .. سواء في الجاهلية أو الإسلام.. فها هو ابن برد يُسَكن الفاتحة على شواذ كلمات من الأخطل.. ويرفع جميل بثينة المفعول به.. و يضرب امرؤ القيس بالمعنى والإعراب عرض الحائط   كما في قوله   في واحدة من أشهر المعلقات: 
 
كأن مكاكي الجواء غدية      صبحن سلافا من رحيق مفلفل
وكأن السباع فيه غرقي       بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
 
وغيره مما لا يحصى ولا يعد من أشباه ذلك .. مما تَعجَّب منه المعري موجها خطابه لهم (هل كانت غرائزكم لا تحس بهذه الزيادة؟ أم كنتم مطبوعين على إتيان مغامض الكلام وأنتم  عالمون) " رسالة الغفران:316) .. فيرد عليه أمرؤ القيس (أدركنا الأولين من العرب لا يحفلون بمجيء ذلك) (317) .. كان كل شاعر يتبع اللغة التي تعارف عليها قومه .. ليرفع الفاعل أو ينصبه أو يخفضه أو يقدم الحرف أو يؤخره..  كل على لسان قومه..  فما لا يصح عند بني تميم قد يصح عند بني قضاعة وما يستشكل عند بني غسان.. قد يستقيم عند بني خثعم  أو لخم  أ وغيلان.. عدا الوارد من المفردات من مستعرب الكلام  وأعجمه .. كل ينطق بما يستعذبه معتقدا أنه سليم اللسان قوي البيان.. لا يعلم ما هو فاعل باللغة أو بنظمها.. كمثل من قال عنهم الحطيئة العبسي .. ذاك المسكين الذي سكن كوخاً صغيراً في أقصي جنة الغفران   بعد هياط  ومياط  وشفاعة من قريش(307).
الشعر صعب وطويل سلمه      إذا رقى فيه الذي لا يعلمـه
زلت به إلى الحضيض قدمه     يريـد أن يعربـه فيعجمـه
وبين الرفع والنصب والعامية والعجمية.. والإغراق والتشدق لم يتغير الحال كثيرا حتى أضحينا لا ندري من أين نبدأ وأين ننتهي..    فمن المفترض أن يتحدث بلغة القرآن مليار ونصف مسلم .. على الأقل قرآنيا .. لقد كرمنا الله عز وجل.. دون سائر أفراد البشرية.. بلغة واحدة ودين واحد حتى يؤلف قلوبنا و يظهر دين الحق على الدين كله.. فإذا عرفنا أن هناك ما يقرب من سبعة آلاف لغة تتحدث بها البشرية لأدركنا  حجم هذا التكريم … حتى في مناطق التجمع البشري الواحد..  مثل الصين والهند..  هناك عشرات إن لم يكن مئات من اللغات المتداولة… ومع ذلك لا يتحدث  بالعربية سوى 250 مليون  فقط .. ولا  نستطيع أن نجزم أن هناك من يجيدها تماماً.
 
لقد كان الناس يوماَ ما أمة واحدة   يتحدثون بلسان واحد "وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم ( آل عمران:19).. " وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم"ْ (الشورى:14) .  .. غير أن الله تعالى   رحم الأمة الإسلامية وجعلها  أمة واحدة  لها كتاب واحد قال عنه الله تعالى " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ َ" (الزخرف:3) .. فهل افتقدنا القدرة على التعقل  أم بغينا وتفرقنا.. أم أصابتنا بلبلة اللسان..   لعنة أبناء نوح.. التي جاءت  بالإنجيل.. وقال عنها القرآن "لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ" (النحل:103).
 
 والعالم  اليوم يعيش عصر سباق تسلح ديني و لغوي حميم .. الغرب لا يكل  من محاولة غلبة اللغات  اللاتينية أو  فرض لغة واحدة على العالم كله  .. هناك عشرات اللغات المصنعة الجاهزة وعشرات أخري قيد الدراسة بعد قصور  محاولات بدائية كالإسبرانتو (Espranto) وغيرها .. كما يحاول العلماء  تعقب اللغات ليردوها إلى اصل واحد  مبسط  عسى أن يرضاه العالم .. تمهيدا لحكومة عالمية واحدة..  بيد أن كل  المحاولات  باءت أو من المتوقع أن تبوء بالفشل والإحباط..   بسبب انعدام الثقة في النوايا الغربية .. وتمسك الشعوب بهويتها.. حتى     بات الباحثون يعتقدون  اعتقادا راسخا أن لعنة الإنجيل قد حاقت بهم وحق عليهم عقاب نسل نمرود سليل حام ابن نوح .. الملك الذي تفاني هو ومن معه في رغبة السيطرة والتسلط ضد  مشيئة الله  وناموسه  ..   فأراد أن يجمع سكان الأرض في مدينة عظمي ليصير هو الرب الأعلى عليهم .. فلما شيد مدينته.. شقت نفسه الضالة.. أن يكون بالكون رب آخر يحكمه.. فشيد لنفسه برجا عاليا رأسه في السماء.. وأخذ يصعد إلى قمته يلوح بسيفه في الهواء..  متصورا أنه صاعد لرب الكون حتى يصرعه فينفرد بحكم الكون.. فدك الله البرج فوق رأسه ورأس قومه وحق عليهم التشتت في الأرض والبلبلة في اللسان إلى يوم الدين..  
 
(فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل نبلبل هناك لسانهم؛ حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض. فكفُّوا عن بنيان المدينة. لذلك دُعِيَ اسمها ‘‘بابل’’. لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض. ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض.) من سفر التكوين  (5:11-9).
 
بيد أن الصراع على السيادة اللغوية في العالم لا يهدأ.. وبدلا أن تحتل اللغة العربية مكانتها..  كلغة أولى أو ثانية.. في العالم الإسلامي أخذت الإنجليزية محلها ليصير مجموع المتحدثين  بالإنجليزية 510 مليون.. لتحتل اللغة العربية المكانة الخامسة بين اللغات وفق آخر الإحصاءات العالمية… وتصير الإنجليزية هي اللغة السائدة كونيا على الشبكة العنكبوتية وما زالت الإنجليزية تتسلل تدريجيا محل العربية في مدارسنا وجامعاتنا .. لتغزو حياتنا في عقر دارنا.. ونعتاد بالممارسة طعم الذل والهوان.. وعلماء الإنجليزية بدورهم لا يدخرون جهدا لتطويرها  وتبسيط  استخدامها حتى تنتشر أكثر فأكثر.. أنهم فزعون من تزايد كلماتها حتى وصلت مفرداتها إلى 250 ألف كلمة.. ويعملون حثيثا على اختصارها..
 
أما نحن.. فقد توقف دورنا عند تجميع وتكديس وتقديس وتحنيط كل ما جاء عن اللغة العربية وباللغة العربية.. مهما كان شاذا أو منقرضا..    في معا

المزيد





1-Hit Free Search Engine Submit