عولمة التجويع وليبرالية الثورة الفرنسية (4)

نوفمبر 27th, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , عولمة التجويع

 
اختراع  الليبرالية لإبتزاز الإنسان والإنسانية ..
 
breadf 
 
 عندما ورث لويس السادس عشر عرش فرنسا (1774) .. ورث معه العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية.. التي نجمت عن حروب التجارة بين فرنسا والدول الأوربية.. خاصة هولندا و إنجلترا..  غريمتاها في التجارة الخارجية.. كان نتيجتها أن فقدت مواقع شركاتها في الهند وأسيا لصالح الشركة الشرقية البريطانية..  كما فقدت مقاطعتين من مستعمراتها في شمال أمريكا في حرب السبع أعوام (1756–1763). كان   العصر آنذاك عصر التنوير  الذي اشتهر بالعديد من النظريات الفلسفية والسياسية .. المستمدة من القانون الطبيعي (Natural Law)   و التي ذاع تسميتها بالليبرالية رغم التناقض الشديد بينها لاهتمامها عموما بمفهوم الحرية.. اشتقاقا من اللاتينية (libre ) وتعني حر لا عبد . وانتهز رجال التجارة والمال هذا الجو المشحون بالحرية المنكوبة.. لتنقيح وتطوير نظرية السوق الحرة .. كنظرية ليبرالية أيضا.. باعتبارها   تدعو لإطلاق حرية التجارة في الداخل والخارج .. يحكمها القانون الطبيعي   لا قوانين الدولة التي تعيق حركتها .   وبرز من هؤلاء عدد كبير من المنظرين أهمهم جورناي وديبونت وكويسناي Dupont de Nemours-Quesnay- -Vincent de –Gournay-  وكان  من أكثرهم لمعانا .. أبن رئيس التجار الذي تخرج من السوربون وتبوأ منصبا سياسيا في بلاط الملك ..    جاك تورجوت - Jacques Turgot-.. وكان من اكثر الكتاب نشاطا ودفاعا عن السوق الحر..  وعلى الأخص من وجهة نظر جورناي الذي لم يفارقه أبدا وكتب عنه   في حماس شديد..  كتابه محاسن جورناي Eloge de Gournay.   استطاع تورجوت إقناع لويس السادس عشر أن السبيل الوحيد لقوة اقتصاد فرنسا واستعادة هيمنتها هو أن يتبع المنهج الحر الطبيعي   (physiocracy) ولخصه في المبدأ القديم الشهير بعد تعديله ( laissez faire, laissez passer)    ليصبح (دعها وشأنها - دعها تمر).. وأن تطبيق هذا المبدأ سيوفر على الدولة مبالغ الدعم الهائلة التي تنفقها على الخبز خاصة .. علاوة على العبء   الكبير الواقع على عاتق رجال الشرطة في مراقبة   الغلال والأفران والتوزيع والتسعيرة عبر البلاد.. وأن حرية التجارة ستتشجع رأس المال الخاص على تكوين شركات ضخمة عالمية Corporations)) قادرة على الإنتاج الواسع   وجني ثمار الثورة الصناعية  بدلا من الشركات التقليدية الصغيرة .. والشركات الاحتكارية التي تؤسسها الدولة بمرسوم أو قرار..  لتتحول عبئا عليها.. وبالفعل عين الملك لويس .. الاقتصادي تورجوت في منصب الحاكم العام للشئون المالية (1774) وأصدر العديد من قرارات الخصخصة.. في قطاع الخدمات الاجتماعية والعامة..   ومنها   خصخصة الغلال وإلغاء التسعيرة عليها مع إلغاء الحماية الجمركية عليها وإلغاء نظام نقابات الحرفيين والمهنيين (Guild).. وكانت تشترط شروطا مهنية ومالية وأخلاقية صارمة لضمان نزاهتها ( moral and solvent ).. تحت إشراف الشرطة تجعل الترخيص بها   أمرا نادرا .. كما ألغي العديد من امتيازات النبلاء ورجال الدين واقترح إخضاعهم للضرائب.  
    ولم تجد تعديلات تورجوت الاقتصادية .. صدىً حسناً منذ الوهلة الأولى لدي كافة الطبقات وحتى المجلس التشريعي .. بل استقبلوها بالغضب الشديد والمعارضة التي وصلت لحد الكراهية والتهكم ..والسخرية منها ومنه..  مما اضطره لإعادة  كتابة ديباجتها  مرارا حتى تبدو مقنعة ويفهمها العامة ..  وما هي إلا شهور عدة حتى ارتفع   سعر الخبز  أضعاف أضعاف سعره المدعم سابقا وبدأ اختفاء الدقيق من الأسواق .. وشبت في باريس وفي العديد من  النواحي مظاهرات عنيفة.. عرفت بحرب الدقيق (1775) شارك فيها لأول مرة عدد كبير من الرجال منهم رجال بوليس وموظفين في الحكومة إلى جوار النساء .. وكانت مظاهرات الخبز عادة ما تختص بها النساء .. وكانت من التنظيم والاتساع  مما جعلها تُصف بأنها  تجربة (بروفة) للثورة وخاصة بعد أن استولى المتظاهرون على شحنات السفن من الدقيق.. وقدروا سعرها بما اتفقوا على كونه سعر عادل..   وقاموا بتوزيعها بنظام مدروس أطلقوا عليه نظام الضرائب الشعبية -taxation populaire- .
ورغم أن الملك عزل تورجوت لاشتباهه في التآمر على القصر بعد عامين .. وعين من بعده البنكي السويسري جاك نكر -Jacques Necker- .. ثم وزير مالية آخر يدعى كولون  -Charles Alexandre de Calonne - .. ثم استدعى جاك نكر مرة ثانية .. في محاولات إصلاح الاقتصاد.. غير أن التعديلات المقترحة كانت تزداد ليبرالية..   يتسع طموحها ورغبتها في السيطرة على الأسواق الخارجية.. وخاصة أسواق أمريكا .. بعد أن تحالفت معها فرنسا عسكريا وأغدقت عليها بالقروض والأسلحة والمعدات العسكرية طوال حرب الاستقلال .. و استمر جاك نكر يُمني الملك وشعب فرنسا بالانتعاش من فوائد الديون وأرباح الأسلحة والأسواق المنتظرة .. غير أن أمريكا كانت أكثر حرصا .. فما أن هدأت الحرب حتى تراجعت عن الاقتراض الموسع .. وقامت بفرض قوانين تحمي أسواقها من الغزو التجاري..    ومع ذلك أصرت فرنسا على توطيد مكانتها العالمية..  ببناء أسطول ينازع الأسطول البريطاني في محيطات العالم..  وزيادة عدد قواتها ب 150.000 جندي لحماية حدودها مع بريطانيا والتدخل في حروب دول الجوار كما في حرب هولندة ضد بروسيا دون موافقة المجلس التشريعي.   فأخذ الاقتصاد الفرنسي في الانهيار بصورة   غير مسبوقة ليخلف عجزا ماليا يقدر حينئذ ب 2 بليون جنيه فرنسي.. فكان الحل الذي رآه كولون هو استدعاء المنظر الليبرالي دي بونت..  الذي نصح بإضافة بعض التعديلات على قرارات تورجوت السابقة .. ومنها رأسملة الغلال كسلعة حرة (deregulation) وفرض بعض الضرائب على ملاك الأراضي من النبلاء..   مع طرح القرارات على المجالس التشريعية حتى تصير قانونا.  
 وبالفعل تم طرح التعديلات على مجلس الشيوخ (1787) الذي وافق على القرارات الليبرالية.. ما عدا الضرائب و كذلك صدق المجلس التشريعي عليها  .. وأعرب كل من المجلسين عن عدم قدرتهما على حل الأزمة المالية .. وان الضرائب وحل الأزمة من اختصاص مجلس الأمة الذي لم يعقد منذ 1614. ومع ضغوط الأزمة وظهور الاضطرابات..   وافق الملك على إجراء انتخابات ودعوة مجلس الأمة للاجتماع ليبدأ الصراع الشهير على الانفراد بسلطة المجلس الذي كان   مكونا من ثلاث طبقات:     الإقليدوس  (الملك- الكنيسة)،  النبلاء والعموم . 
ومع بدء الترشيح للانتخابات (نوفمبر 1788) ظهرت فجأة لجنة   غامضة لم تكن معروفة من قبل تدعى (لجنة الثلاثين) مكونة من كبار أثرياء الليبراليين في باريس.. ومن أكثر الشخصيات نفوذا في الحياة السياسية.. ومنهم هنري ميرابو الذي استولى على المجلس باسم الشعب .. ولافييت الذي أصبح رئيسا للحرس الوطني   وبعض  المؤسسين الأوائل للليبرالية مثل ديبوند نيمروس..  أستاذ الاقتصاد الليبرالي وناصح وزراء مالية الملك تورجوت وكولون أصحاب التعديلات الاقتصادية التي أفلست فرنسا . قامت اللجنة بدور قيادة وتمويل الحملة الدعائية للاعتراض على تشكيل المجلس وطريقة التصويت فيه وتعبئة ستة ملايين من الناخبين علاوة على طباعة آلاف النسخ من كتاب عن الشكاوى..   وتهيئة الرأي العام   لإجتماع المجلس (5 مايو 1789)  حيثتم  الاستيلاء عليه بالكامل وإعلانه مجلسا واحدا (المجلس الوطني التأسيسي )   في 9يونيو.. رغم أن الملك كان قد وافق على كل التعديلات النيابية السابقة.. وترك لهم حرية التقرير.   ومع تتابع الحوادث وتجريد الملك تدريجيا من سلطاته .. بدأت الشبهات تحوم حول تواطؤ وزير المالية جاك نكر في رواق القصر.. فعزله الملك   ليدعوه المجلس الوطني على الفور  كوزير للمالية.. رغم القرار الملكي.. ليلحق  بزعماء المجلس الليبراليين أعضاء لجنة الثلاثين .
وأخذ المجلس في الاجتماع بلا انقطاع يلغي الإقطاع   ويلغي الامتيازات والمناصب الدينية و يخط إعلان حقوق الإنسان ويعد الدستور.. كل ذلك والشعب جائع ينتظر بفارغ الصبر قرارات المجلس الذي انعقد لحل الأزمة الاقتصادية.. فأعطاهم إعلان حقوق على ورق لا يُسمن ولا يٌغني حتى صار الإعلان مثاراً للته

المزيد


عولمة التجويع.. وطمس ميلاد الليبرالية..

أكتوبر 30th, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , عولمة التجويع

 tradew 

عولمة التجويع.. وطمس ميلاد الليبرالية..
التجارة .. سر الدمار .. أم سر الحضارة..
 
الدول مثل البشر .. كائن اجتماعي لا يمكنه الانسحاب إلى داخله.. أو الادعاء انه كفيل بذاته .. غني عن الآخرين.. فمهما بلغت قوة الدولة أو مساحتها .. أوعدد سكانها.. لا يمكنها بمفردها الوفاء بجميع احتياجات شعبها دون  نوع  ما من التبادل التجاري للسلع والخدمات والخبرات.. وكما كانت التجارة من أولى الأنشطة التي مارسها الإنسان (150.000 ق م)..   كانت أيضا هي   أول وأهم الأنشطة التي ارتبطت بظهور الدولة في التاريخ.. في مصر وسومر وفينيقيا (3.000ق م).. وما شُقت الطرق.. وبُنيت الأساطيل.. واكتُشفت الكتابة والحسابات.. وظهرت النظم المالية والعملات.. بل ما نُظمت الجيوش.. واكتُشفت الجزر والقارات إلا بسبب التجارة.. لذا قيل أن التجارة سر الحضارة . غير أن تلك الأهمية الكبرى للتجارة جعلتها أيضا سر الحروب والغزوات وسر الاحتلال والأطماع وكل الآفات التي احترفها    الغرب على وجه الخصوص وكانت سببا في شقاء الإنسانية.. منذ ظهور إمبراطورية الروم وحتى يومنا هذا.
 
 ولنتذكر نداء البابا إربان الثاني في أول حرب صليبية (1096).. يستنهض به شعوبه لغزو القدس: ( إن الأرض التي تسكنونها تضيق بكم وتعجز عن إمدادكم بكفايتكم من الطعام.. من أجل هذا يذبح بعضكم بعضا, ويلتهم بعضكم بعضا, وتتحاربون , ويهلك منكم الكثيرون ,فهبوا إلى أورشليم فإنها أرض لا نظير لها في خيراتها) .. ومع كل حملة صليبية من الحملات العديدة التي تلت.. كانت البواعث الحقيقية تزداد وضوحا… فإما الحصول على الموانئ والمرافئ.. في يافا وعكا وصور وغيرها .. التي تفتح   الطريق للهند و الشرق الأقصى حيث الأسواق اللامحدودة وحيث تجارة المنسوجات والآفوايه من توابل الغذاء وأعشاب الدواء..التي افتتن بها الغرب افتتانا كبيرا.. أو الاستيلاء المباشر على الثروة وتجارة أساسيات الغذاء كما في الحملتين   الأخيرتين على مصر .. سلة الغلال وبستان الموائد وفردوس المباهج حينذاك.
 
 ورغم الواجهة الدينية .. كان أساطين المال والسفن من كبار التجار في إيطاليا ..هم القوة الحقيقية وراء تلك الحملات.. وظهر نفوذهم جلياً في تحويل الحملات..  للقضاء على منافسيهم أو من يتعرض لمصالحهم حتى لو كانوا من رعايا الإمبراطورية  نفسها.. كما في حملات إبادة اليهود سلطة المال والتجارة في الغرب .. أو حتى الانقضاض على القسطنطينية المسيحية والعاصمة الشرقية للإمبراطورية في الحملة الرابعة.. وكانت تلك الحملة في حقيقتها   موجهة لمصر.. ولم يتوان تجار البندقية عن الوشاية بحكامهم وتحويل الحملة عن مصر التي ترتبط مصالحهم التجارية بها..  إلى القسطنطينية التي ألغت امتيازاتهم.. ليعيثوا فيها نهبا وخرابا .
  

75slav

ولم تثن الهزائم المتلاحقة التي منيت بها أوروبا في الحروب الصليبية .. وانصراف شعوبها عن تلبية نداء الغزو  من عزيمتها. فقد شهدت رغدا لم تشهده من قبل وتذوقت ثمارا لم تتذوقها في حياتها .. وعرفت معنى الترف من حرير ومنسوجات وعطور وأدوات زينة.. وفوق كل ذلك تعلمت أهم دروسها.. أن الحرب تنعش التجارة.. وازداد إصرارها على الوصول إلى جزر البهارات.. التي كانت تقدر بوزنها ذهبا وفضة ..    ولو كلفها ذلك شد الرحال عبر المجهول.. تجوب البحار تبحث عن طريق يوصلها للهند مهما طال.. وإن أبحرت حول أفريقيا ( طريق رأس الرجاء الصالح ) .. أو عبرت غربا لتصل الهند من بابها الشرقي .. وكان ذلك السبب الرئيسي لاكتشاف أمريكا . ومع كل رحلة كانت التجارة تتعاظم شهيتها وتحتدم رغبتها في الحصول على ما أمكن من ثروات ..سلع غذائية أو ذهب وفضة ومنسوجات..أو حتى بشر تملأ بهم السفن وتبيعهم عبيدا في الأسواق .. كانت تلك هي الحقبة التي شهدت ظاهرة ذات مغزى كبير في تفسير التاريخ المعاصر .. اتخذت شكل تحالف  بين كبار التجار.. على هيئة   شركات تصدر بمرسوم ملكي أو قرار يمنحها سلطات احتكارية ومصرفية   وبوليسية.. فيحولها من مجرد مؤسسات تجارية إلى أداة حكم عدوانية..   تدعمها الدول بالجيوش والأساطيل عند اللزوم.. فأخذت   تعبر البحار تسرق القارات وتستعمر الأوطان.. تقتل وتسرق وتبيد الأعراق.. باسم بعثات الاكتشاف وامتيازات التجارة.

 122540
   كانت الشركة الشرقية التي صدرت بمرسوم من ملكة بريطانيا اليزابيث الأولى (1600)هي أولى تلك الشركات وأشهرها على الإطلاق .. وهي الشركة التي احتلت الهند لأعوام طويلة ..   تحتكر محاصيلها وغلالها .. رغم الفقر والمجاعات.. كما سيطرت على العديد من   المستعمرات في دول جنوب أسيا ولعبت.. دورا كبيرا في الاستعمار البريطاني لأمريكا وكانت السبب في اندلاع الثورة الأمريكية .. وهي التي أغرقت الصين بتجارة الأفيون.. هي وغيرها من الشركات الأوروبية.. في الوقت الذي كانت تطلق على نفسها أسم الشركة الشرقية الشريفة..   وعندما فاض بالصين وصادرت عشرين ألف صندوقا من الأفيون المهرب بواسطتها (1839)   زحف عليها أسطول بريطانيا العظمى سيدة البحار.. للدفاع عن شرف شركتها المهدور.. فكان احتلال جزر الهونج كونج التي استردتها الصين مؤخرا (1997).     حكمت الشركة الشرقية وحدها خمس سكان العالم .. وتبعها العديد من الشركات المنافسة     فرنسية وبرتغالية وأسبانية ..   وغيرها تسير على نفس الوتيرة و ذات المنهج .. خليط من العدوانية والنهب و التصفية والاحتكار .. حتى سميت بشركات المحاكاة .. اشتهر منها على وجه الخصوص الشركة الهولندية (Voc).. والتي جعلت من هولندا ..    (أغنى دولة على سطح الأرض) في أواخر القرن السابع عشر كما وصفها بروس بارتلت -Bruce Bartlett- الكاتب الليبرالي الأمريكي والذي يدلل بمثلها على أن حرية التجارة هي السبيل الوحيد للثراء والقوة الاقتصادية على مدى التاريخ.. ولا شك أن الأمر كذلك إذا استطاعت الدولة فرض احتكارها و سيطرتها   للإثراء على حساب الدول الأخرى.
 
 ظهور التجارة الحرة.. والثورة الأمريكية..
 
 في ذاك الوقت   (أواخر القرن السابع عشر) .. كان رجال التجارة قد ابتدعوا اختراعاً اقتصادياً فريداً يبرر سلطات الشركات الواسعة كدول قائمة بذاتها.. أو على الأقل كدول داخل الدول.. هذا الاختراع أسمه (laissez faire) ويعني دعنا وشأننا   وأصله شعار صدر من   تاجر فرنسي   اعتراضا على   السياسة البيروقراطية الشمولية للويس الرابع عشر ..أثناء اجتماع وزير ماليته بالتجار .. وسرعان ما شاع   بينهم..   ليعني أن على الحكومات ترك التجارة وشأنها   دون أي تدخل .. بأي شكل من الأشكال لا في مجال الإنتاج والتوزيع .. ولا عن طريق التحكم في الأسعار..  وأن   الأسواق قادرة على ضبط نفسها بنفسها   وفق قوانين العرض والطلب.      ورغم أن تلك الفرضية لم تطبق على إطلاقها في أي دولة من الدول الأوربية .. ألا أنها تحولت إلى دستور للاستعمار الاقتصادي وخاصة في المناطق التي يدَّعون اكتشافها   ..   كمبرر لسيادة الشركات على أموالها..   دون أي اعتبار لاقتصاد المناطق التي تقع تحت سيطرتها .. أو حقها في حماية إنتاجها المحلي أو الرقابة على الأسعار… غير أن سياسة السوق المفتوح (laissez faire) تلك.. لم تعن حينها حرية التجارة للجميع بلا قيود جمركية .. على العكس .. كانت الدول تمنح الشركات التابعة ل

المزيد


عولمة التجويع.. وسباق الهاوية..(2)

سبتمبر 28th, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , عولمة التجويع

عولمة التجويع.. قصة عصرنا .. أغرب عصور التاريخ(2)
 0201co
سباق الهاوية .. وحقوق الأموات..
منذ أكثر من ثلاثة عقود .. وشعوب العالم النامي على الأخص.. تعيش في حالة من التوجس والقلق    .. ترقب تحولات وتغيرات .. سياسية  اقتصادية  اجتماعية جذرية وغير مألوفة وطنيا .. لا تفي بالوعود ولكنها تقلب حياتهم رأسا على عقب.. باسم   السوق الحرة وسياسات الانفتاح..   والحكومات لا تجرؤ على مصارحة مواطنيها بحجم الضغوط وحقيقة التنازلات التي تخضع لها .. وتسلبها اختصاصاتها.. اختصاص تلو الآخر.. دولة تلو دولة .. حتى صارت الدول بدورها رعايا من رعايا الأقوياء في نظام يقسم العالم لدول جنوب .. ودول شمال: في الشمال الدول المتقدمة المعدودة صاحبة القوة العسكرية والاقتصادية القابعة خلف القرار .. وفي الجنوب كل دول العالم التي لا تملك سوى الإذعان للقرار.. فإما الحرب وزعزعة الأمن الداخلي والعزلة الاقتصادية و العقوبات .. وإما سلام مشين مخادع  يأخذ كل شئ ولا يعطي أي شئ.. بل ويقطع الطرق ويسد المنافذ في وجه الحياة.. ليمس كل بيت وكل أسرة تقريبا على وجه البسيطة.. إما بعدم القدرة على مواجهة أعباء المعيشة .. أو بشراء احتياجاتها الأساسية بأضعاف أضعاف سعرها.. مما يستنزف مدخراتها   .. ويحولها إلى أرباح في بنوك الأقوياء.
ورغم الغموض والتعتيم.. سرعان ما تكتشف الشعوب حول العالم أنها مهددة بخطر واحد .. خطر يجمع الجنس البشري ..   يهدد كيانه ومعيشته ويسلبه حقه الأساسي في تأمين الغذاء ..   بل حقه في البقاء على وجه الحياة.. سببه مخطط رأسمالي ..    بارد .. قاتل.. ميت القلب .. أساسه من يحكم الطعام يحكم الشعوب كما قال هنري كيسينجر في عام 1970.. 
في تطبيق التكيف الهيكلي وسباق الهاوية.
 
كانت العلاقة بين التجويع والإفقار وبرنامج   التكيف الهيكلي.. الذي فرضه البنك الدولي -WB- وبنك النقد-IMF- على دول العالم النامي والفقير معا   .. بادية للعيان بما فرض من تخلي الدول عن القاعدة العريضة .. من محدودي الدخل والضعفاء بمنع الرعاية الاجتماعية , ومنع دعم الإنتاج أو الرقابة على الأسعار.. وخصخصة القطاعات العامة وإحلالها باستثمار أجنبي .. يستمتع بامتيازات خاصة مع الاعتماد على الاستيراد عامة حتى في أساسيات الغذاء. ..
. 
ورغم مظاهر الغضب والاحتجاج الشعبي.. و تفشي أعمال العنف والمقاومة .. وعدم الاستقرار اعتراضا على حالة التقشف والبطالة التي نتجت عن  التطبيق العملي لتلك القرارات .. كانت الحكومات لا تملك في الواقع سوى مساحة ضيقة للغاية للوفاء باحتياجات شعوبها في ظل مشروطيات الهيكلة وإلتزامات سداد الديون .. إلا إذا اقترضت مجددا مما يعني تفاقم الأزمة وإحكام دائرة الديون الربوية الشريرة. .    ومع ذلك حاولت العديد من الدول النامية.. تحقيق المعادلة الصعبة..  ودفع عجلة الإنتاج من خلال القطاع الخاص والقروض بسعر الفائدة العالمية.. كما حدث في دول جنوب آسيا وروسيا وأمريكا اللاتينية.. غير أن تلك المحاولات سرعان ما تلاشت في انهيارات اقتصادية حادة شهدها العالم واحدة تلو الأخرى .. في أواخر القرن العشرين .. إما بسبب احتكار الدول الثرية لأدوات الإنتاج وقطع الغيار أو للامتناع عن استيراد المنتج بحجة عدم مطابقته للمواصفات أو التلاعب المالي بقيمة العملة وسعر الفائدة التي تتحكم فيها البنوك الدولية.. بالإضافة لهروب المستثمرين.   وما اعتقدته الدول من مشروطيات التكيف التي صاحبت القروض.. كتدبير مؤقت وحتى سداد الديون.. تحول إلى كابوس هائل يصعب التخلص منه .. وصفه المحلل (  John Madeley) بسباق الدوامة الحلزونية نحو الهاوية.  فمع كل محاولة للنهوض كانت المؤسسات المالية تحكم   سيطرتها   على الديون أو تعيد جدولتها على مدة أطول بفوائد مركبة أعلى تتفاقم معها ا الأزمة وبالتالي الكلفة البشرية الباهظة آلتي تدفع ثمنها الشعوب .. حتى وصل حجم الديون في عام 1996 إلى وحش خرافي قيمته 1.8 تريليون دولار .. وفي الوقت الذي كان المسؤولون بوزارة الخزانة في الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي يعلنون للعالم.. عن انتهاء أزمة الديون للدول الناهضة (فإن هذه الأزمة كانت تزداد سخونة تحت السطح) كما جاء بتقرير خبير الأمم المتحدة للجنة حقوق الإنسان عام 1999.
.
بالطبع كانت الدول الفقيرة أول ضحايا سباق الهاوية.. ولم تكن المجاعات المستمرة بصورة غير مسبوقة .. التي شهدتها إفريقيا في تلك الحقبة .. بسبب الجفاف وحده كما تناقلت وسائل الإعلام.. بل بسبب الاضطرار لتصدير المحاصيل كمواد أولية  لسwbداد الديون.. فالجفاف خفض المحصول بنسبة لا تزيد عن 11% في أكثر المناطق معاناة .. كما في الصومال والنيجر مثلا ..   وحتى هذا القدر من الجفاف كان سببه الإفراط في استغلال الغابات وقطع الأشجار . أما ما تبقى من محصول فكان عبارة عن سلع أولية زرعت خصيصا لجذب  السيولة النقدية (الكاش) اللازمة لدفع الديون.. مثل البن والسكر والقطن.. وعادة ما تحول الأراضي لزراعة سلعة واحدة أو أثنين على الأكثر لهذا الهدف.    وفق منظمة أوكسفام (Oxfam)البريطانية أكثر من 50% من دول إفريقيا تعتمد على زراعة محصول واحد من محاصيل الكاش..    ومن المعرف اقتصاديا أن تصدير المحاصيل الأولية .. هي أسرع طريقة للخراب.. ليس فقط لأنها تستبدل طعام الشعوب الأساسي كالأرز والقمح بمحاصيل نقد لدفع الديون بل لأنها تَحول دون النمو (التضاعف الاقتصادي) وتُحول أرباح العمالة للخارج.. فيعز الغذاء وتتفشى البطالة والمجاعات ويزداد الفقراء فقرا والأثرياء ثراء.. وفي شرح ذلك يقول الاقتصادي الشهير - J.W. Smith - في سبب تضاعف الفقر والاعتماد على الغير:
.
(إذا قام مجتمع بصرف مائة دولار(مثلا) لتحضير وتصنيع الخامة الأولية في داخل حدوده, لكان المال المستخدم قادرا على دفع سعر الخامة الأولية بالإضافة للعمالة والتكلفة لتتحول إلى قوة شرائية  جديدة مع كل تداول إقتصادي . هذا التضاعف ا

المزيد





1-Hit Free Search Engine Submit