عولمة التجويع.. وطمس ميلاد الليبرالية..
التجارة .. سر الدمار .. أم سر الحضارة..
الدول مثل البشر .. كائن اجتماعي لا يمكنه الانسحاب إلى داخله.. أو الادعاء انه كفيل بذاته .. غني عن الآخرين.. فمهما بلغت قوة الدولة أو مساحتها .. أوعدد سكانها.. لا يمكنها بمفردها الوفاء بجميع احتياجات شعبها دون نوع ما من التبادل التجاري للسلع والخدمات والخبرات.. وكما كانت التجارة من أولى الأنشطة التي مارسها الإنسان (150.000 ق م).. كانت أيضا هي أول وأهم الأنشطة التي ارتبطت بظهور الدولة في التاريخ.. في مصر وسومر وفينيقيا (3.000ق م).. وما شُقت الطرق.. وبُنيت الأساطيل.. واكتُشفت الكتابة والحسابات.. وظهرت النظم المالية والعملات.. بل ما نُظمت الجيوش.. واكتُشفت الجزر والقارات إلا بسبب التجارة.. لذا قيل أن التجارة سر الحضارة . غير أن تلك الأهمية الكبرى للتجارة جعلتها أيضا سر الحروب والغزوات وسر الاحتلال والأطماع وكل الآفات التي احترفها الغرب على وجه الخصوص وكانت سببا في شقاء الإنسانية.. منذ ظهور إمبراطورية الروم وحتى يومنا هذا.
ولنتذكر نداء البابا إربان الثاني في أول حرب صليبية (1096).. يستنهض به شعوبه لغزو القدس: ( إن الأرض التي تسكنونها تضيق بكم وتعجز عن إمدادكم بكفايتكم من الطعام.. من أجل هذا يذبح بعضكم بعضا, ويلتهم بعضكم بعضا, وتتحاربون , ويهلك منكم الكثيرون ,فهبوا إلى أورشليم فإنها أرض لا نظير لها في خيراتها) .. ومع كل حملة صليبية من الحملات العديدة التي تلت.. كانت البواعث الحقيقية تزداد وضوحا… فإما الحصول على الموانئ والمرافئ.. في يافا وعكا وصور وغيرها .. التي تفتح الطريق للهند و الشرق الأقصى حيث الأسواق اللامحدودة وحيث تجارة المنسوجات والآفوايه من توابل الغذاء وأعشاب الدواء..التي افتتن بها الغرب افتتانا كبيرا.. أو الاستيلاء المباشر على الثروة وتجارة أساسيات الغذاء كما في الحملتين الأخيرتين على مصر .. سلة الغلال وبستان الموائد وفردوس المباهج حينذاك.
ورغم الواجهة الدينية .. كان أساطين المال والسفن من كبار التجار في إيطاليا ..هم القوة الحقيقية وراء تلك الحملات.. وظهر نفوذهم جلياً في تحويل الحملات.. للقضاء على منافسيهم أو من يتعرض لمصالحهم حتى لو كانوا من رعايا الإمبراطورية نفسها.. كما في حملات إبادة اليهود سلطة المال والتجارة في الغرب .. أو حتى الانقضاض على القسطنطينية المسيحية والعاصمة الشرقية للإمبراطورية في الحملة الرابعة.. وكانت تلك الحملة في حقيقتها موجهة لمصر.. ولم يتوان تجار البندقية عن الوشاية بحكامهم وتحويل الحملة عن مصر التي ترتبط مصالحهم التجارية بها.. إلى القسطنطينية التي ألغت امتيازاتهم.. ليعيثوا فيها نهبا وخرابا .

ولم تثن الهزائم المتلاحقة التي منيت بها أوروبا في الحروب الصليبية .. وانصراف شعوبها عن تلبية نداء الغزو من عزيمتها. فقد شهدت رغدا لم تشهده من قبل وتذوقت ثمارا لم تتذوقها في حياتها .. وعرفت معنى الترف من حرير ومنسوجات وعطور وأدوات زينة.. وفوق كل ذلك تعلمت أهم دروسها.. أن الحرب تنعش التجارة.. وازداد إصرارها على الوصول إلى جزر البهارات.. التي كانت تقدر بوزنها ذهبا وفضة .. ولو كلفها ذلك شد الرحال عبر المجهول.. تجوب البحار تبحث عن طريق يوصلها للهند مهما طال.. وإن أبحرت حول أفريقيا ( طريق رأس الرجاء الصالح ) .. أو عبرت غربا لتصل الهند من بابها الشرقي .. وكان ذلك السبب الرئيسي لاكتشاف أمريكا . ومع كل رحلة كانت التجارة تتعاظم شهيتها وتحتدم رغبتها في الحصول على ما أمكن من ثروات ..سلع غذائية أو ذهب وفضة ومنسوجات..أو حتى بشر تملأ بهم السفن وتبيعهم عبيدا في الأسواق .. كانت تلك هي الحقبة التي شهدت ظاهرة ذات مغزى كبير في تفسير التاريخ المعاصر .. اتخذت شكل تحالف بين كبار التجار.. على هيئة شركات تصدر بمرسوم ملكي أو قرار يمنحها سلطات احتكارية ومصرفية وبوليسية.. فيحولها من مجرد مؤسسات تجارية إلى أداة حكم عدوانية.. تدعمها الدول بالجيوش والأساطيل عند اللزوم.. فأخذت تعبر البحار تسرق القارات وتستعمر الأوطان.. تقتل وتسرق وتبيد الأعراق.. باسم بعثات الاكتشاف وامتيازات التجارة.

كانت الشركة الشرقية التي صدرت بمرسوم من ملكة بريطانيا اليزابيث الأولى (1600)هي أولى تلك الشركات وأشهرها على الإطلاق .. وهي الشركة التي احتلت الهند لأعوام طويلة .. تحتكر محاصيلها وغلالها .. رغم الفقر والمجاعات.. كما سيطرت على العديد من المستعمرات في دول جنوب أسيا ولعبت.. دورا كبيرا في الاستعمار البريطاني لأمريكا وكانت السبب في اندلاع الثورة الأمريكية .. وهي التي أغرقت الصين بتجارة الأفيون.. هي وغيرها من الشركات الأوروبية.. في الوقت الذي كانت تطلق على نفسها أسم الشركة الشرقية الشريفة.. وعندما فاض بالصين وصادرت عشرين ألف صندوقا من الأفيون المهرب بواسطتها (1839) زحف عليها أسطول بريطانيا العظمى سيدة البحار.. للدفاع عن شرف شركتها المهدور.. فكان احتلال جزر الهونج كونج التي استردتها الصين مؤخرا (1997). حكمت الشركة الشرقية وحدها خمس سكان العالم .. وتبعها العديد من الشركات المنافسة فرنسية وبرتغالية وأسبانية .. وغيرها تسير على نفس الوتيرة و ذات المنهج .. خليط من العدوانية والنهب و التصفية والاحتكار .. حتى سميت بشركات المحاكاة .. اشتهر منها على وجه الخصوص الشركة الهولندية (Voc).. والتي جعلت من هولندا .. (أغنى دولة على سطح الأرض) في أواخر القرن السابع عشر كما وصفها بروس بارتلت -Bruce Bartlett- الكاتب الليبرالي الأمريكي والذي يدلل بمثلها على أن حرية التجارة هي السبيل الوحيد للثراء والقوة الاقتصادية على مدى التاريخ.. ولا شك أن الأمر كذلك إذا استطاعت الدولة فرض احتكارها و سيطرتها للإثراء على حساب الدول الأخرى.
ظهور التجارة الحرة.. والثورة الأمريكية..
في ذاك الوقت (أواخر القرن السابع عشر) .. كان رجال التجارة قد ابتدعوا اختراعاً اقتصادياً فريداً يبرر سلطات الشركات الواسعة كدول قائمة بذاتها.. أو على الأقل كدول داخل الدول.. هذا الاختراع أسمه (laissez faire) ويعني دعنا وشأننا وأصله شعار صدر من تاجر فرنسي اعتراضا على السياسة البيروقراطية الشمولية للويس الرابع عشر ..أثناء اجتماع وزير ماليته بالتجار .. وسرعان ما شاع بينهم.. ليعني أن على الحكومات ترك التجارة وشأنها دون أي تدخل .. بأي شكل من الأشكال لا في مجال الإنتاج والتوزيع .. ولا عن طريق التحكم في الأسعار.. وأن الأسواق قادرة على ضبط نفسها بنفسها وفق قوانين العرض والطلب. ورغم أن تلك الفرضية لم تطبق على إطلاقها في أي دولة من الدول الأوربية .. ألا أنها تحولت إلى دستور للاستعمار الاقتصادي وخاصة في المناطق التي يدَّعون اكتشافها .. كمبرر لسيادة الشركات على أموالها.. دون أي اعتبار لاقتصاد المناطق التي تقع تحت سيطرتها .. أو حقها في حماية إنتاجها المحلي أو الرقابة على الأسعار… غير أن سياسة السوق المفتوح (laissez faire) تلك.. لم تعن حينها حرية التجارة للجميع بلا قيود جمركية .. على العكس .. كانت الدول تمنح الشركات التابعة ل
المزيد