
العلمانية الغربية .. من أين إلى أين
عقدة الحكم الديني.. (3
"يا شعب الله المحبوب المختار…. لقد جاءت من فلسطين, ومن القسطنطينية أنباء محزنة, تعلن أن جنسا لعينا أبعد ما يكون عن الله – قد طغى وبغى في تلك البلاد, بلاد المسيحيين…. فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس- ربنا ومنقذنا- الضريح الذي تمتلكه
الآن الأمم النجسة…" هذا هو النداء الأول الذي أطلقه البابا أوربان الثاني إلى شعوب أوروبا داعيا إياها باسم المسيح للحروب الصليبية في خطاب شهير بمجمع كليرمونت بفرنسا (1095).. والذي سرعان ما كشف عن منطق النهب الثاوي في الفكر الغربي منذ عهد الوثنية الأولى عندما أستطرد البابا الحاكم باسم الله على الأرض قائلا "الأرض التي تسكنونها الآن, والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وقنن الجبال – أرض ضيقة لا تتسع لسكانه الكثيرين. وتكاد تعجز عن منحهم ما يكفيهم من الطعام…. ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضا, ويلتهم بعضكم بعضا, وتتحاربون, ويهلك الكثيرون منكم في حروب داخلية… إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها فانتزعوها من ذلك الجنس النجس وتملكوها أنتم"..!!
لم تصمد المسيحية الغربية طويلا أمام آفة الحرب والثروة .. فلا تمكن الغرب من تحقيق الاستقرار والتقدم ولا استراح الشرق من الحروب البغيضة. فبعد أن سقطت إمبراطورية روما وتلاشت جيوشها تماما.. وجد سادتها ممن كانوا أصحاب السلطة الدينية والسياسية .. فرصة سانحة لاستعادة السلطة والثروة والأراضي المفقودة بوسيلة أكثر فاعلية وأقل تكلفة.. إذا استطاعوا التحكم في الجموع الغفيرة بالترهيب والترغيب والخرافات باستخدام الدين. فأخذوا في عقد المجامع ووضع النظريات الملتوية بهدف فرض سيادتهم الدينية والسياسية على العالم المسيحي أجمع.. فجعلوا روما أعلى منزلة وقداسة حتى من أورشليم مهبط المسيحية.. فهي تارة سيدة (البحر المقدس) أي المتوسط .. و أخرى (مدينة الله) وبها نسل "القديس بطرس".. و منها الباباوات روح المسيح على الأرض "المعصومين من الخطأ بإرادة الله".
وما أن فرغ الروم من تحريفاتهم ونظرياتهم المزورة .. وتضمينها في صلب العقيدة حتى أخذوا في بناء هيكل سياسي للعالم القديم يحكمه أساقفة وبطارقة مبعوثون من البابا في روما "كنيسة العالم".. تخضع لهم السلطة السياسية بفرض الطاعة . وأخذت البابوية في بيع صكوك الغفران .. وإباحة دم من لم يحصل عليها بدعوى الدنيوية أو الخروج على الدين والكنيسة( heresy).
كانت البداية على يد شارلمان ملك الفرنجة.. رجل صارم من البربر.. له مكانة تاريخية خاصة.. كموحد أوروبا.. رغم ما عرف عنه من شغف بالحرب والمذابح البشرية والنساء.. أخذ في حرب قبائل ومدن أوروبا واحدة تلو الأخرى حتى استولى على معظم غرب القارة .. فكافئه البابا ليو الثالث بتتويجه أول إمبراطور مقدس في أوروبا عام 800م.. لتصبح روما المهيمن الرسمي الوحيد على نظام الحكم في أوروبا من الآن فصاعدا في عصور سميت بعصور الظلام والتي امتدت حتى القرون الوسطى..
في ظل تلك الهيمنة عاشت أوروبا قروناً طويلة من الاستبداد الديني والتخلف الفكري عُرفت "بأزمان الحريق" .. إشارة إلى الأعداد المهولة من ضحايا القتل حرقا من الرجال والاطفال والنساء خاصة.. بتهمة السحر أو الهرطقة والخروج على تعاليم الكنيسة. تزامنت تلك الفترة أيضا مع الحروب الصليبية (1096 - 1291).. وما تبعها من حملات امتدت حتى عام 1444 في آخر حملة صليبية والتي كانت ضد الدولة العثمانية .
كانت الحروب الصليبية في حقيقتها أشبه بمواسم النزوح العظيم.. تندفع فيها جموع المعدمين هربا من حياة البؤس والموت والعبودية في ظل الحكم البابوي الإمبراطوري الكريه.. فبالإضافة للتعذيب والقمع .. شرَّعت الكنيسة نظاما إقطاعياً بغيضا ينشطر فيه الإنسان إلى جسد مسخر لخدمة الأرض أولاً و "السيد" صاحبها ثانياً.. بينما تستحوذ الكنيسة على روحه بالوعيد والتهديد والإتاوات… لم تكن الحملة الصليبية الأولى في حقيقتها ألا مسيرات من قطاع الطرق والجياع الثائرين ممن قال عنهم البابا في خطابه الشهير بمجمع كليرمونت: ( فلنحول اللصوص إلى فرسان).. جاءوا من كل صوب في أوربا.. ليكتسحوا قتلا ونهبا كل من يعترض طريقهم من مسيحيي شرق أوروبا إلى يهود الغرب و طوال الطريق وحتى مسلمي ويهود القدس.
استردت الحملات الصليبية البعض من هيبتها باشتراك بعض الملوك في قيادة بعض الحملات التالية .. بيد أن الصبغة الدينية للحملات.. بدأت تتلاشى تدريجيا عقب حملة الفقراء ومن تبعهم.. حتى عرفت الحملات فيما بعد بحملات إطعام الجياع.. بل أن الأوربيين دفعوا بأطفالهم للاشتراك ببعضها.. فيم سُمى بحملات الأطفال.. كحملة مايو 1212 التي قام بها آلاف من الأطفال ومعهم بعض الفقر
المزيد