العلمانية الغربية والبحث عن شرعية

يوليو 19th, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

 121644
 
 
 
العلمانية الغربية .. (9)
البحث عن شرعية..
 
لم يكن فصل الدين عن الدولة (Laïcité) والتخلص من سلطة الكنيسة   سوى حلم قديم طالما راود الحكام منذ القرن الثاني عشر.. في محاولة إعادة مجد وقوة إمبراطورية الروم الوثنية .. إثر الهزائم المتلاحقة للجيوش الصليبية  على أيدي المسلمين.. وكان للأباطرة والملوك محاولات عدة في هذا الصدد.. وإن لم يخل  التاريخ أيضا من محاولات رومانسية لبناء إمبراطورية لا تعرف الحرب.. تؤمن بالتسامح الديني والإخاء وحقوق البشر.. كما كان يحلم  الملك فردريك الثاني.. السابق عصره.. و (أعجوبة العالم) كما أسماه الغرب .. والذي كان مفتونا بالثقافة الإسلامية وحضارة الشرق .. ودفع ثمن حلمه بإخراجه من الكنيسة وشن الحروب الصليبية عليه طوال حكمه وحتى وفاته.
 
بيد أن العلمانية   (secularity-secularism )التي قدمها صلح وستفاليا (1648).. كانت بعيدة كل البعد عن الحلم والخيال.. و لم تعن   أكثر من معناها اللغوي الواقعي المشتق من الكلمة اللاتينية (saeculum)..    أي هذه الدنيا وهذا الزمان.. وكان الزمان زمان الحكم المطلق .. يُحدد فيه الملك الدين والسياسة والمذهب لرعاياه.. وتخضع له كافة السلطات . 
 
 وأنه لأمر يثير العجب .. أن   تتمخض تلك   الحروب الدينية الهائلة.. التي كادت  أن تقضي على الغرب بأكمله ..   عن معاهدة تُقسِّم البلاد وتضع الحدود  وتمنح الملوك والحكام هذا الحق المطلق الشامل في الدين و الدنيا كل في رقعته..   هل كان هذا هو الهدف الأعظم النبيل الذي حرَّض لوثر ومن تبعه على الاعتراض على سلطة الكنيسة والبابا ؟ .. وهل كان لوثر ليفلت من محاكم التفتيش وإدانته بالخروج على الدين لولا حماية الساسة من الأمراء والنبلاء!.. وهل كانت الشعوب التي خاضت كل تلك الثورات والحروب.. وضحَّت بملايين الأرواح وعانت اشد حالات الفاقة والبؤس والعذاب .. جيلاً بعد جيلٍ.. لأكثر من مائة عام.. تدافع عن معتقداتها .. أم كانت ضحية خديعة هائلة يسميها الغرب بعصور الإصلاح!.
 
 قد لا نجد إجابة شافية ..على تلك الأسئلة..غير انه من المؤكد أن معاهدة وستفاليا لم   تكن نهاية لغضب وثورة الجموع .. ولم تضع حدا للحروب.. ولم تعن بأي حال نهاية   للرغبة الثاوية في الفكر الغربي في السيطرة على الشعوب .. وان كان الغرب يعتبر معاهدة وستفاليا تتويجا لكفاحه العظيم .. ففي الحقيقة.. هي لم تأت بجديد على  الصعيد الإنساني .. و كل ما فعلته هو تقنين الأمر الواقع.. ومحاولة إضافة هالة من الشرعية تبرر وجوده.  
 
 121644فعصر الإصلاح الذي يؤرخ الغرب بدايته باعتراضات لوثر.. وحتى صلح وستفاليا.. كان في الواقع يموج بنظريات الحق الإلهي المباشر .. والحكم المطلق.. الذي لا يخضع لسلطان سوى الله. . ولعل الملك هنري الثامن(Henry VIII) ملك إنجلترا الذي سارع بالاستقلال عن البابوية فور ظهور البروتستانتية .. قبل صلح وستفاليا بقرن من الزمان .. كان أول من شرع في تجسيد هذا الحق المزعوم    لتبرير زيجاته المتعددة أولا .. ولتمكينه من الاستبداد بالحكم وتعيين ولي العهد   ثانيا .. بأن أصدر العديد من القوانين والمراسيم (1532-1536) التي تمكنه من جمع   كل السلطات الدينية والتشريعية والقضائية   بل وتجعله صاحب الحق الوحيد في تقويم أي خروج عن الدين.. وكان على أسقف المملكة ستيفن جاردينير (S.Gardiner) .. بعد أن حنث بيمين الولاء للبابا و أدى يمين الطا

المزيد


العلمانية الغربية 8

يوليو 2nd, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

 
العلمانية الغربية.. من أين إلى أين (8)
 العقل والدين
 
لم يكن الأفذاذ من علماء عصر النهضة .. ممن يعدهم الغرب أباء الطفرة العلمية الحديثة .. ثلة من الملحدين واللصوص كما صورتهم الكنيسة.. ولم يخطر بخلدهم أن يلتصوا معجزات الخالق في طبيعة الكون ليحولوها إلى قواعد ميكانيكية وحسابية حتى يحلوا محله .. كما أشاع  الكهان..  بل كانوا من أشد المؤمنين بقدرة الفكر الإنساني.. على اكتشاف الحقيقة.. ومعرفة أسرار الكون.. في رحلة لا نهائية عبر كون لا نهائي..  تبدأ من العقل.. ميزة الإنسان الخاصة نحو الهدف الأعظم والأكثر بعدا.. اليقين.
 galilebruno1newton
من هنا كانت الجملة الشهيرة لرينيه ديكارت(Rene Descartes 1596-1650 ) أنا أفكر إذا أنا موجود .. وهو ما عبر عنه جاليليو بقوله (أنا لا أرى أن على الاعتقاد أن الله الذي منحنا العقل والفكر والشعور هو نفسه الذي يريد منا عدم استخدامهم ).. فرجل العلم يثبت نظرياته بالبحث والعقل لا بالإيمان وحده.. غير انه لا ينكر تلك descarالقوة  الخارقة المحركة للكون و الباعثة على اكتشاف خباياه.. والتي توجهه  دوما نحو غايات نبيلة. . . هذا ما عبر عنه ديكارت في معادلته الشهيرة عن انسجام العلم والدين (الشك = الفكر= الله )   لذا لم يقتصر عمل العلماء على ما اختصوا فيه من علوم .. كان عليهم أيضا.. اكتشاف الوسائل وتحديد الغايات في ظل المناخ الدموي الزائف الذي فرضته الكنيسة.. فأخذوا في البحث عن الأصول الفلسفية والغايات الشرعية للنظر والتساؤل ..  بداية من أرسطو وأفلاطون .. وحتى ابن رشد والفارابي ..
 
كان العصر كما يعرفه مؤرخو الغرب عصر العقل والنظر Age of Reason305ima .. وقد بدأ في البزوغ مع القرنين السادس والسابع عشر.. رغم استمرار القمع والاضطهاد الديني .. وكان ثمرة كفاح دامٍ من أجل المعرفة عبر أربعة قرون من الزمان.. أخذ خلالها اليهود في نشر وترجمة الأعمال الفلسفية  لفقهاء المسلمين.. و من بينهم   ابن رشد .. الذي تبوأت فلسفته مكانة خاصة لدي الغربيين.. حتى قيل عنه أنه رائد عصر الإحياء والمؤسس الأول للعلمانية وعرفت مدرسته بأفريوس averroes وكان لها كثير من الاتباع . 
 
قدم ابن رشد افضل ما عرفه الفكر الإنساني في شرح مؤلفات أر سطو .. علاوة على إبداعاته الفلسفية الخاصة عن مكانة العقل في الإسلام .. وعلاقة الدين بالحكمة والعقل والفلسفة كما في كتب التحصيل والمسائلو فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال…   وأخذ عنه الكثير من الفلاسفة ممن اشتهروا بدورهم   مثل فيلسوف اللاهوت المشهور توماس الإكويني والكاهن اليهودي موسى ابن ميمون.
 
وحاول العلماء بدورهم اكتشاف العلاقة بين العلم والدين بأساليب منطقية..  بعيدا عن الهرطقة  الكنسية .. حتى أن ديكارت الذي وضع النظريات الحسابية التي مهدت لاكتشاف الكمبيوتر شرع في وضع (النظرية المنطقية في إثبات وجود الله).. .. كان غالبية العلماء يؤمنون بقوة عليا منزهة عن المحاكاة والتجسيد تحكم طبائع الك

المزيد


العلمانية ..(7)

مايو 29th, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

 thirty
العلمانية الغربية.. من أين إلى أين؟! 
الحرب الدينية الكبرى.. وحرب الثلاثين..
 
لعل المعيار الحقيقي لأي نظام سياسي.. هو مدى تحقيق العدل والسلام.. و مدى تأمين حقوق المواطنين واحتياجاتهم.. لذا يقال أن النظم السياسية لا يمكن تقييمها بمعزل عن سياقها التاريخي.. و لئن كان الحكم البابوي الكنسي الذي استمر قرابة عشرة قرون.. لم يكشف سياقه سوى عن قمعٍ وحرقٍ وحروبٍ وثوراتٍ لا متناهية     .. ولم تبشر النظم الدينية البروتستانتية بأي تغيير أيضا.. فلا زال شبح المحارق البشرية جاثم على الأنفاس بظله الفظيع..   والخرافات والهرطقة   .. تتربع على عرش المجد الكنسي بلا منازع .. وهاهم زعماء الإصلاح الديني البروتستانت .. يحرقون النساء بدعوى ممارسة السحر.. و يفتح كالفن باب حرق كل مخالف للمذهب بإصرار أعمي ..   أعرب عنه بقوله الشهير   (عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مجده بعني الرب.. لن نستثنى حتى الأقارب أو صلة الدم . بل سننسى كل ما يتعلق بالإنسانية).. لم تكن الإنسانية   بالنسبة له أكثر من   (ديدان ارض) ..   تسير بإرادة السماء التي يختص بها وحده بما يوحي له .. ولم تكن اللوثرية أقل تطرفا أو قمعا.. وان اقتصرت على الإفتاء بالأحكام وتركت للحكام تنفيذها..     ومن هنا شاع القول أن البروتستانتية ما هي إلا نزاع على البابوية .. وان جنيف ما هي إلا روما البروتستانتية.
 
واخذ النزاع    يتشعب وينقسم ..   وأصبح الدين مطية كل مستبد أراد أن يحقق لنفسه  مأربا.. حتى أن الملك هنري الثامن ملك إنجلترا شرَّع لنفسه بروتستانتية خاصة   تتيح له   الطلاق والزواج كما يتراءى له.. وقد اشتهر بتعدد زوجاته والتخلص منهن بالذبح.. عندما ترفض الكنيسة الكاثوليكية طلاقه منهن أو تزويجه بغيرهن.. وبالفعل أمر البرلمان بإصدار قرارٍ بتعيينه   رئيسا للكنيسة عام 1534. كما أصدر قانونا من ستة مواد.. يعاقب الكاثوليك الذين يتبعون البابا بالقتل.. وفي نفس الوقت يعاقب كل من اتبع المذاهب البروتستانتية بالحرق. وما أن خلفه الملك إدوارد.. حتى أدخل البروتستانتية إلى كنيسة الأنجليكان وألغى المواد الست لقانون هنري.   ثم تأتي الملكة ماري (ماري الدموية) لتنصب المحارق للبروتستانت وتُعدم الكثير منهم.. وتعيد كاثوليكية الروم دينا للدولة.. وبعدها تُتَوج الملكة اليزابيث الأولى.. التي تعيد البروتستانتية .. على طريقة أشبه باللوثرية.. التي لا تروق لعدد كبير من الطوائف..  ممن عرفوا بالمنشقين.. أخذت كل طائفة منهم في اتباع مذهب خاص بها .. ولا زالت المذاهب تتضاعف وتنقسم على نفسها .. حتى قيام الثورة الإنجليزية الكبرى وما صحبها من حروب أهلية دامت لعشرين عاما (1640-1660) .. ومن المنشقين ظهرت العديد من الطوائف المتطرفة.. ممن رحلوا لأمريكا وأصبحوا من الآباء المؤسسين   للدولة العنصرية (أمريكا البيضاء) .
 
 وبالطبع تأهبت الكنيسة الكاثوليكية للدفاع عن سلطانها بأسلحتها المعهودة .. محاكم تفتيش جديدة.. وتشريعات تبيح التعذيب وشق الصدور للاعتراف القسري.. وجيوش صليبية على أتم استعداد للقتل والحرق والإبادة .. ليسفر عصر الإصلاح عن حروب دامية همجية.. بين الكاثوليك وطوائف البروتستانت .. تدوم لأكثر من مائة عام.. يؤرخ بدايتها مع بداية حرب الكاثوليك ضد بروتستانت ألمانيا (1546-1555) والتي تبعتها حروب تشمل كل أنحاء أوروبا تقريبا.. في فرنسا التي شهدت العديد من المذابح وجرائم الإبادة والوحشية.. وفي هولندا التي قاومت محاكم التفتيش وشنت حرباً ضاريةً على أسبانيا التي كانت تحتلها لأكثر من مائة عام.. وأسبانيا التي اعتادت توثيق البروتستانت بالسلاسل والأحجار وإغراقهم في اليم بأعداد كبيرة.. وتتجدد الحرب في ألمانيا ثانية 1576 .. ومع تقدم القتال.. يتعلم البروتستانت ضرورة

المزيد


العلمانية .. 6

مارس 1st, 2008 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

العلمانية الغربية .. من أين إلى أين..؟
الكالفانية..
 
رغم أن ظهور لوثر يقترن في التاريخ الأوروبي ببداية عصر الإصلاح.. إلا أنك لن تجد من الآن فصاعدا سوى الفرقة والتطرف .. والحروب والبغضاء.   فتح لوثر أبواب الغضب المكبوت على سلطة البابا ودور الكنيسة.. وكانا هما النظام المركزي الذي ينطوي تحته عدد لا نهائي من دول المدن والإقطاعيات.. يرأسها نبلاء وأمراء وملوك و إقطاعيين ..   و لم يُقدِّم البديل لانهيار النظام.. فصارت مدن أوروبا نهبا لكل طامح وطامع في قطعة من المجد أو بعض من السيادة.. ومع الصراع تنشب الحروب وتشتعل الثورات.. ولن يحزم الأمر إلا حرب هائلة كبرى.. حرب الثلاثين عاما.. يذهب ضحيتها أكثر من ربع   سكان أوروبا..   لتخرج منها منهكة.. تنهش فيها الأوبئة.. لتحصد مزيداً من الأرواح.. وتنتهي ممزقة في قوميات عدة .. يبحث كل واحد منها عن هوية أو فلسفة موضوعة.. تبرر حكم الطبقة الأقوى أو الأكثر ثراء.
 

     ظهرت أول محاولة في زيورخ بسويسرا .. بمعزل عن لوثر.. بزعامة القس الأعلى زوينجلي .. الذي اتبع دعوته كل أهالي المدينة ..عام 1519. . ثم أنضم إليهم معظم دول المدن السويسرية (متحدثة الألمانية) في غضون سنوات معدودة (1523) . وأعتمد   تطبيق شعار النص وحده  وهو الشعار  الذي رفعته البروتستانتية في كل مكان ومؤداه .. اتباع ما ورد نصه في الإنجيل.. وترك مالم يرد فيه نص… وبه استطاع زوينجلي تطهير الكنيسة من كل مظاهر الوثنية من تماثيل ورسومات وموسيقى.. والعودة بها إلى الأساس.. ورغم بساطة المبدأ واتفاق كل المعارضين عليه.. لم يستطع زوينجلي تأليف كل المذاهب حوله.. إما بسبب احتفاظه ببعض المورثات.. مثل تعميد المواليد الذي رفضته طائفة الأنا بابتيست.. ومثل تحصيل الضرائب   وتأجير الأراضي بواسطة الكنيسة.. مما لم يرد فيه نص.. أو لمعارضته لبعض  طقوس لا زال اللوثريون يؤمنون بها .. مما أثار حفيظة مارتن لوثر..    مثل النزاع بينهما على القربان المقدس.. والمكون من خبز ونبيذ يأكله المصلون.. فقد كان لوثر يعتقد إحلال المسيح فعلا.. دم في النبيذ.. وجسد في الخبز .. بينما عده زوينجلي طقساً رمزياً فحسب.. وفشلت محاولة تقريب وجهات النظر بينهما في اجتماع (1529) بماربرج .. مما قطع الأمل في أي تحالف سياسي بين مدن سويسرا وألمانيا..   وفي غياب التحالف كان من السهل على الكاثوليك القضاء على نظام زوينجلي في حربين متتاليتين 1529 و 1531 قتل زوينجلي في الأخيرة منه.

 
  تحلى زوينجلي بطبيعة إنسانية متواضعة.. تهتم بالفقراء وتسعى لإذابة الفوارق بين الطبقات. . مما جعل شعوب أهالي الكانتونات السويسرية التابعة له .. تشعر بفراغ هائل عقب موته.. وعاهدوا الله .. على كفاح     الكاثوليكية .. ونشر البروتستانتية في كل كانتونات سويسرا.. وعلى رأسها جنيف التي تتحدث الفرنسية.. إضافة   لكانتونات زوينجلي متحدثة الألمانية..   وكان على رجال الدين البروتستانت البحث عن البديل الفرنسي اللسان لاجتذاب أهالي جنيف .. والذي ظهر في سورة محامي ماهر قادم من فرنسا أسمه جون كالفن (1509-1564)  الذي أصبح مؤسس المذهب الكالفاني .. أشهر المذاهب البروتستانتية وأوسعها انتشارا بعد اللوثرية.   حضر كالفن إلى جنيف ومعه نظام ديني صارم كان يعد له .. أخذ في تطبيقه بتطرف أعمى.. مانحا لنفسه السلطة   الأعلى    الممثلة لسيادة الله.. وكان يعتقد فعلا أنه مكلف من عند الرب ..    فكان من الطبيعي أن يرفضه أهالي جنيف ويعتبروه نسخة طبق الأصل من النظام البابوي المستبد.. ويقوموا بطرده هو ومن م

المزيد


العلمانية.. عقدة الحكم الديني.. 3

ديسمبر 24th, 2007 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

 

العلمانية الغربية .. من أين إلى أين

عقدة الحكم الديني.. (3

 
"يا شعب الله المحبوب المختار…. لقد جاءت من فلسطين, ومن القسطنطينية أنباء محزنة, تعلن أن جنسا لعينا أبعد ما يكون عن الله – قد طغى وبغى في تلك البلاد, بلاد المسيحيين…. فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس- ربنا ومنقذنا- الضريح الذي تمتلكه الآن الأمم النجسة…"   هذا هو النداء الأول الذي أطلقه البابا أوربان الثاني إلى شعوب أوروبا داعيا إياها باسم المسيح للحروب الصليبية في خطاب شهير بمجمع كليرمونت بفرنسا (1095).. والذي سرعان ما كشف   عن منطق النهب الثاوي في الفكر الغربي منذ عهد الوثنية الأولى عندما أستطرد البابا الحاكم باسم الله على الأرض قائلا "الأرض التي تسكنونها الآن, والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وقنن الجبال – أرض ضيقة لا تتسع لسكانه الكثيرين. وتكاد تعجز عن منحهم ما يكفيهم من الطعام…. ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضا, ويلتهم بعضكم بعضا, وتتحاربون, ويهلك الكثيرون منكم في حروب داخلية… إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها فانتزعوها من ذلك الجنس النجس وتملكوها أنتم"..!! 
 
لم تصمد المسيحية الغربية طويلا أمام آفة الحرب والثروة .. فلا تمكن الغرب من تحقيق الاستقرار والتقدم ولا استراح الشرق من الحروب البغيضة. فبعد أن سقطت إمبراطورية روما وتلاشت جيوشها تماما.. وجد سادتها ممن كانوا أصحاب السلطة الدينية والسياسية ..   فرصة سانحة لاستعادة السلطة والثروة والأراضي المفقودة بوسيلة أكثر فاعلية وأقل تكلفة.. إذا   استطاعوا التحكم في الجموع الغفيرة بالترهيب والترغيب والخرافات باستخدام الدين. فأخذوا في عقد المجامع   ووضع النظريات الملتوية بهدف فرض سيادتهم الدينية والسياسية على العالم المسيحي أجمع.. فجعلوا روما أعلى منزلة وقداسة حتى من أورشليم مهبط المسيحية.. فهي تارة سيدة (البحر المقدس) أي المتوسط .. و أخرى (مدينة الله) وبها نسل "القديس بطرس"..   و منها الباباوات روح المسيح على الأرض "المعصومين من الخطأ بإرادة الله".
 
وما أن فرغ الروم من تحريفاتهم ونظرياتهم   المزورة .. وتضمينها في صلب العقيدة حتى أخذوا في بناء هيكل سياسي للعالم القديم يحكمه أساقفة وبطارقة مبعوثون من البابا في روما "كنيسة العالم".. تخضع لهم السلطة السياسية بفرض الطاعة . وأخذت البابوية في    بيع صكوك الغفران .. وإباحة دم من لم يحصل عليها    بدعوى الدنيوية أو الخروج على الدين والكنيسة( heresy).
 
 كانت البداية على يد شارلمان ملك الفرنجة.. رجل صارم من البربر.. له مكانة تاريخية خاصة.. كموحد   أوروبا.. رغم ما عرف عنه من شغف بالحرب والمذابح البشرية والنساء..   أخذ في حرب قبائل ومدن أوروبا واحدة تلو الأخرى حتى استولى على معظم غرب القارة     .. فكافئه   البابا ليو الثالث بتتويجه أول إمبراطور مقدس في أوروبا عام 800م.. لتصبح روما المهيمن الرسمي الوحيد على نظام الحكم في أوروبا من الآن فصاعدا في عصور سميت بعصور الظلام والتي امتدت حتى القرون الوسطى..
 
 في ظل تلك الهيمنة عاشت أوروبا قروناً طويلة من الاستبداد الديني والتخلف الفكري عُرفت "بأزمان الحريق" .. إشارة إلى الأعداد المهولة من ضحايا القتل حرقا من الرجال والاطفال والنساء خاصة.. بتهمة السحر أو الهرطقة والخروج على تعاليم الكنيسة. تزامنت تلك الفترة أيضا مع  الحروب الصليبية  (1096 - 1291).. وما تبعها من حملات امتدت حتى عام 1444 في آخر حملة صليبية والتي كانت ضد الدولة العثمانية . 
 
كانت الحروب الصليبية في حقيقتها أشبه بمواسم النزوح العظيم.. تندفع فيها جموع المعدمين هربا من حياة البؤس والموت والعبودية في ظل الحكم البابوي الإمبراطوري الكريه.. فبالإضافة للتعذيب والقمع   .. شرَّعت الكنيسة نظاما إقطاعياً بغيضا ينشطر فيه الإنسان إلى جسد مسخر لخدمة الأرض أولاً و "السيد" صاحبها ثانياً..   بينما تستحوذ الكنيسة على روحه بالوعيد والتهديد والإتاوات…   لم تكن الحملة الصليبية الأولى في حقيقتها ألا مسيرات من قطاع الطرق والجياع الثائرين ممن قال عنهم البابا في خطابه الشهير بمجمع كليرمونت:  ( فلنحول اللصوص إلى فرسان)..     جاءوا من كل صوب في أوربا.. ليكتسحوا قتلا ونهبا كل من يعترض طريقهم من مسيحيي شرق أوروبا إلى يهود الغرب و طوال الطريق وحتى مسلمي ويهود القدس.  
  
 استردت الحملات الصليبية البعض من هيبتها باشتراك بعض الملوك في قيادة بعض الحملات التالية .. بيد أن الصبغة الدينية للحملات.. بدأت تتلاشى تدريجيا عقب حملة الفقراء   ومن تبعهم..   حتى عرفت الحملات فيما بعد بحملات إطعام الجياع.. بل أن الأوربيين دفعوا بأطفالهم للاشتراك   ببعضها.. فيم سُمى بحملات الأطفال.. كحملة مايو 1212 التي قام بها آلاف من الأطفال ومعهم بعض الفقر

المزيد


العلمــانية الغربية من أين إلى أين (2)

نوفمبر 22nd, 2007 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

 
العلمــانية الغربية  من أين إلى أين   (2)
 بين الروح والمادة في تاريخ الحضارات..
 
 كان الإنسان دوما ومنذ فجر الحضارات .. مدفوعا بطبيعته الأساسية للبحث عن إيجاد التوازن بين المادي والمعنوي بالقدر الذي يحقق له البقاء والازدهار نحو الأفضل. . غير أن الإنسان رغم نجاحاته المعنوية حينا والمادية أحيانا لم يحقق هذا التوازن المطلوب إلا في فترات قصيرة جدا تخللت تاريخ البشرية.   هذا الإخفاق نشأ عنه تساؤلات لا نهاية لها أخذ الإنسان يبحث في إجابات عنها في الفلسفة والدين والعلم..   في محاولة لا تكل لتحقيق كيانه.
 
 ومع ظهور الحضارات أدرك الإنسان أن كيانه.. في جوهره.. كيان واحد .. يحل في أرض واحدة .. بما فيها وعليها من نعم وخيرات .. وأن بقائه مرهون بتحقيق نوع من الفهم   والتعاون الإنساني عبر المكان والزمان.. لذا كان التفاعل الحتمي   بين الحضارات المختلفة..   الشرقية في مصر وبلاد الرافدين وفينيقيا.. والغربية في اليونان وبيزنطة.. و في التاريخ الأكثر حداثة بين الحضارتين.. الإسلامية والغربية..
 
 لم تكن العلاقة بين الغرب والشرق على مدى التاريخ علاقة حروب وصراع فحسب .. فالتاريخ البشري له مسيرته الخاصة .. تحكمها أسباب ودوافع قد تختلف تماما عن المناحي السياسية والمادية التي تحكم أدوات الصراع . وما زال التبادل والتكامل الإنساني محركا لتاريخ الشعوب مهما اشتدت المحن أو احتد الصراع.    
 
كان الشرق الأدنى.. أوفر حظا على الصعيد الروحي والمعنوي.. وساعدته البيئة على تكوين مزاج معتدل محبٍ للخير والنماء.. بينما وَلَّدت البيئة والمناخ القاسيين في الغرب الرغبة في التحدي ومواجهة الصعاب.
كان الغرب في حاجة لروحانيات الشرق مهبط الأديان.. وكان الشرق في حاجة لحيوية الغرب وواقعية منحاه في الحياة..
 
لقد انبثقت الحضارة اليونانية إثر الاحتكاك والامتداد من ومع حضارات الشرق القديم عبر فينيقيا من خلال كريت وجزر بحر إيجة. وقد عبرت الحضارة اليونانية عن انتمائها الشرقي بتصديها للغزو الفارسي .. الخطر الأكبر حينذاك على حضارات العالم القديم. لذا كان تعاون وترحاب الشرق القديم بفتوحات الاسكندر الأكبر الشهيرة قبل الميلاد(336-331)… وعندما استوطن الهندو- أوروبيون في روما وأخذوا في التوسع .. حاول الشرق والغرب معا.. وقف توسعهم من جهة اليونان شمالا.. ومن جهة قرطاجنة جنوبا.. فكان التحالف

المزيد


العلمــانية الغـربيـة .. إلى أين ؟!!

سبتمبر 15th, 2007 كتبها سـامية عبد المطلب نشر في , العلمانية

العلمــانية الغـربيـة .. إلى أين ؟!!
 
لعل اتعس لحظات الفكر الإنساني هي تلك اللحظة التي ابتدع فيها الغرب فكرة الفصل بين الدين والعقل    تمييزا للنهج العلماني عن النهج الديني. و العلمانية تدعو بالضرورة إلى الفصل بين قرارات الإنسان الدنيوية والسياسية وبين الالتزام بقواعد الدين والأخلاق .. رغم الاعتراف بالحرية الدينية. ومن المفارقات الغريبة.. أن الغرب تبنى العلمانية..إثر قرون من الاستبداد الديني والحروب المذهبية والتي تبعها ظهور البروتستانتية ودعوتها للتحرر من سلطة رجال الدين.. وامتدت حتى قيام الثورتين الفرنسية والأمريكية.. ومن ثم الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. 
 
 
 لا شك أن العلمانية نجحت في إحراز تطور علمي وعقلي ملموس عمت آثاره على الإنسان في كل مكان لا في الغرب وحده. غير أن إقحام العلمانية في النظريات الإنسانية والسياسية بدعوى الفصل بين الدين والدولة جاء أقرب للقطع النهائي لكل الخيوط التي قد تربط الأرض بالسماء.. لترمي بالإنسان في مجاهل التاريخ قبل الرسالات.. مجرداً من أي صلة بالمقدسات ومن القيم الإلهية الملهمة لشرعية قراراته.
 
 قد أخفقت العلمانية الغربية تماما عندما أطلقت العنان للمصالح المادية الذاتية باسم التحرر (الليبرالية) دون أدني اعتبار لمصالح الآخرين سواء في الداخل أو في الخارج.    ( أن الهدف الأعظم للاقتصاد السياسي في أي دولة) يقول أدم سميث الأب الروحي للاقتصاد السياسي (هو زيادة القوة والثراء لتلك الدولة).    كان هذا المبدأ وحده كفيل بتهديد أمن العالم والتسبب في شقاء الإنسان .     تحولت القوة والثروة إلى إمبريالية عدوانية لا ترحم.. تٌعامل الإنسان كآلة رديئة وتُنكر حق الشعوب في الأمن والازدهار .
 
 لقد بدت الآثار المدمرة لتلك السياسة   جلية منذ البداية.. فازدحم القرن التاسع عشر بحروب مخزية لا هدف لها غير استعراض القوة والحصول على الثروة .. لعل أشهرها (حرب الأفيون) على الصين.. لقد زحف الأسطول البريطاني المهيب لضرب الصين واحتلال هونج كونج لأنها صادرت آلاف الأطنان من الأفيون المهرب من بريطانيا العظمى (1896)  .    ومع الحرب تنتعش التجارة فتلحق بها فرنسا.. ثم روسيا القيصرية .. للحصول على حصتهما في السوق الجديد.. وتهب الشركات الرأسمالية في مباراة لدعم وإعداد أساطيل الدول الكبرى في بريطانيا وأمريكا وفرنسا وهولندا في حروب التجارة والاستثمار.. أينما وجدت.. في أق

المزيد





1-Hit Free Search Engine Submit