عولمة التجويع وليبرالية الثورة الفرنسية (4)

كتبهاسـامية عبد المطلب ، في 27 نوفمبر 2008 الساعة: 18:33 م

 
اختراع  الليبرالية لإبتزاز الإنسان والإنسانية ..
 
breadf 
 
 عندما ورث لويس السادس عشر عرش فرنسا (1774) .. ورث معه العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية.. التي نجمت عن حروب التجارة بين فرنسا والدول الأوربية.. خاصة هولندا و إنجلترا..  غريمتاها في التجارة الخارجية.. كان نتيجتها أن فقدت مواقع شركاتها في الهند وأسيا لصالح الشركة الشرقية البريطانية..  كما فقدت مقاطعتين من مستعمراتها في شمال أمريكا في حرب السبع أعوام (1756–1763). كان   العصر آنذاك عصر التنوير  الذي اشتهر بالعديد من النظريات الفلسفية والسياسية .. المستمدة من القانون الطبيعي (Natural Law)   و التي ذاع تسميتها بالليبرالية رغم التناقض الشديد بينها لاهتمامها عموما بمفهوم الحرية.. اشتقاقا من اللاتينية (libre ) وتعني حر لا عبد . وانتهز رجال التجارة والمال هذا الجو المشحون بالحرية المنكوبة.. لتنقيح وتطوير نظرية السوق الحرة .. كنظرية ليبرالية أيضا.. باعتبارها   تدعو لإطلاق حرية التجارة في الداخل والخارج .. يحكمها القانون الطبيعي   لا قوانين الدولة التي تعيق حركتها .   وبرز من هؤلاء عدد كبير من المنظرين أهمهم جورناي وديبونت وكويسناي Dupont de Nemours-Quesnay- -Vincent de –Gournay-  وكان  من أكثرهم لمعانا .. أبن رئيس التجار الذي تخرج من السوربون وتبوأ منصبا سياسيا في بلاط الملك ..    جاك تورجوت - Jacques Turgot-.. وكان من اكثر الكتاب نشاطا ودفاعا عن السوق الحر..  وعلى الأخص من وجهة نظر جورناي الذي لم يفارقه أبدا وكتب عنه   في حماس شديد..  كتابه محاسن جورناي Eloge de Gournay.   استطاع تورجوت إقناع لويس السادس عشر أن السبيل الوحيد لقوة اقتصاد فرنسا واستعادة هيمنتها هو أن يتبع المنهج الحر الطبيعي   (physiocracy) ولخصه في المبدأ القديم الشهير بعد تعديله ( laissez faire, laissez passer)    ليصبح (دعها وشأنها - دعها تمر).. وأن تطبيق هذا المبدأ سيوفر على الدولة مبالغ الدعم الهائلة التي تنفقها على الخبز خاصة .. علاوة على العبء   الكبير الواقع على عاتق رجال الشرطة في مراقبة   الغلال والأفران والتوزيع والتسعيرة عبر البلاد.. وأن حرية التجارة ستتشجع رأس المال الخاص على تكوين شركات ضخمة عالمية Corporations)) قادرة على الإنتاج الواسع   وجني ثمار الثورة الصناعية  بدلا من الشركات التقليدية الصغيرة .. والشركات الاحتكارية التي تؤسسها الدولة بمرسوم أو قرار..  لتتحول عبئا عليها.. وبالفعل عين الملك لويس .. الاقتصادي تورجوت في منصب الحاكم العام للشئون المالية (1774) وأصدر العديد من قرارات الخصخصة.. في قطاع الخدمات الاجتماعية والعامة..   ومنها   خصخصة الغلال وإلغاء التسعيرة عليها مع إلغاء الحماية الجمركية عليها وإلغاء نظام نقابات الحرفيين والمهنيين (Guild).. وكانت تشترط شروطا مهنية ومالية وأخلاقية صارمة لضمان نزاهتها ( moral and solvent ).. تحت إشراف الشرطة تجعل الترخيص بها   أمرا نادرا .. كما ألغي العديد من امتيازات النبلاء ورجال الدين واقترح إخضاعهم للضرائب.  
    ولم تجد تعديلات تورجوت الاقتصادية .. صدىً حسناً منذ الوهلة الأولى لدي كافة الطبقات وحتى المجلس التشريعي .. بل استقبلوها بالغضب الشديد والمعارضة التي وصلت لحد الكراهية والتهكم ..والسخرية منها ومنه..  مما اضطره لإعادة  كتابة ديباجتها  مرارا حتى تبدو مقنعة ويفهمها العامة ..  وما هي إلا شهور عدة حتى ارتفع   سعر الخبز  أضعاف أضعاف سعره المدعم سابقا وبدأ اختفاء الدقيق من الأسواق .. وشبت في باريس وفي العديد من  النواحي مظاهرات عنيفة.. عرفت بحرب الدقيق (1775) شارك فيها لأول مرة عدد كبير من الرجال منهم رجال بوليس وموظفين في الحكومة إلى جوار النساء .. وكانت مظاهرات الخبز عادة ما تختص بها النساء .. وكانت من التنظيم والاتساع  مما جعلها تُصف بأنها  تجربة (بروفة) للثورة وخاصة بعد أن استولى المتظاهرون على شحنات السفن من الدقيق.. وقدروا سعرها بما اتفقوا على كونه سعر عادل..   وقاموا بتوزيعها بنظام مدروس أطلقوا عليه نظام الضرائب الشعبية -taxation populaire- .
ورغم أن الملك عزل تورجوت لاشتباهه في التآمر على القصر بعد عامين .. وعين من بعده البنكي السويسري جاك نكر -Jacques Necker- .. ثم وزير مالية آخر يدعى كولون  -Charles Alexandre de Calonne - .. ثم استدعى جاك نكر مرة ثانية .. في محاولات إصلاح الاقتصاد.. غير أن التعديلات المقترحة كانت تزداد ليبرالية..   يتسع طموحها ورغبتها في السيطرة على الأسواق الخارجية.. وخاصة أسواق أمريكا .. بعد أن تحالفت معها فرنسا عسكريا وأغدقت عليها بالقروض والأسلحة والمعدات العسكرية طوال حرب الاستقلال .. و استمر جاك نكر يُمني الملك وشعب فرنسا بالانتعاش من فوائد الديون وأرباح الأسلحة والأسواق المنتظرة .. غير أن أمريكا كانت أكثر حرصا .. فما أن هدأت الحرب حتى تراجعت عن الاقتراض الموسع .. وقامت بفرض قوانين تحمي أسواقها من الغزو التجاري..    ومع ذلك أصرت فرنسا على توطيد مكانتها العالمية..  ببناء أسطول ينازع الأسطول البريطاني في محيطات العالم..  وزيادة عدد قواتها ب 150.000 جندي لحماية حدودها مع بريطانيا والتدخل في حروب دول الجوار كما في حرب هولندة ضد بروسيا دون موافقة المجلس التشريعي.   فأخذ الاقتصاد الفرنسي في الانهيار بصورة   غير مسبوقة ليخلف عجزا ماليا يقدر حينئذ ب 2 بليون جنيه فرنسي.. فكان الحل الذي رآه كولون هو استدعاء المنظر الليبرالي دي بونت..  الذي نصح بإضافة بعض التعديلات على قرارات تورجوت السابقة .. ومنها رأسملة الغلال كسلعة حرة (deregulation) وفرض بعض الضرائب على ملاك الأراضي من النبلاء..   مع طرح القرارات على المجالس التشريعية حتى تصير قانونا.  
 وبالفعل تم طرح التعديلات على مجلس الشيوخ (1787) الذي وافق على القرارات الليبرالية.. ما عدا الضرائب و كذلك صدق المجلس التشريعي عليها  .. وأعرب كل من المجلسين عن عدم قدرتهما على حل الأزمة المالية .. وان الضرائب وحل الأزمة من اختصاص مجلس الأمة الذي لم يعقد منذ 1614. ومع ضغوط الأزمة وظهور الاضطرابات..   وافق الملك على إجراء انتخابات ودعوة مجلس الأمة للاجتماع ليبدأ الصراع الشهير على الانفراد بسلطة المجلس الذي كان   مكونا من ثلاث طبقات:     الإقليدوس  (الملك- الكنيسة)،  النبلاء والعموم . 
ومع بدء الترشيح للانتخابات (نوفمبر 1788) ظهرت فجأة لجنة   غامضة لم تكن معروفة من قبل تدعى (لجنة الثلاثين) مكونة من كبار أثرياء الليبراليين في باريس.. ومن أكثر الشخصيات نفوذا في الحياة السياسية.. ومنهم هنري ميرابو الذي استولى على المجلس باسم الشعب .. ولافييت الذي أصبح رئيسا للحرس الوطني   وبعض  المؤسسين الأوائل للليبرالية مثل ديبوند نيمروس..  أستاذ الاقتصاد الليبرالي وناصح وزراء مالية الملك تورجوت وكولون أصحاب التعديلات الاقتصادية التي أفلست فرنسا . قامت اللجنة بدور قيادة وتمويل الحملة الدعائية للاعتراض على تشكيل المجلس وطريقة التصويت فيه وتعبئة ستة ملايين من الناخبين علاوة على طباعة آلاف النسخ من كتاب عن الشكاوى..   وتهيئة الرأي العام   لإجتماع المجلس (5 مايو 1789)  حيثتم  الاستيلاء عليه بالكامل وإعلانه مجلسا واحدا (المجلس الوطني التأسيسي )   في 9يونيو.. رغم أن الملك كان قد وافق على كل التعديلات النيابية السابقة.. وترك لهم حرية التقرير.   ومع تتابع الحوادث وتجريد الملك تدريجيا من سلطاته .. بدأت الشبهات تحوم حول تواطؤ وزير المالية جاك نكر في رواق القصر.. فعزله الملك   ليدعوه المجلس الوطني على الفور  كوزير للمالية.. رغم القرار الملكي.. ليلحق  بزعماء المجلس الليبراليين أعضاء لجنة الثلاثين .
وأخذ المجلس في الاجتماع بلا انقطاع يلغي الإقطاع   ويلغي الامتيازات والمناصب الدينية و يخط إعلان حقوق الإنسان ويعد الدستور.. كل ذلك والشعب جائع ينتظر بفارغ الصبر قرارات المجلس الذي انعقد لحل الأزمة الاقتصادية.. فأعطاهم إعلان حقوق على ورق لا يُسمن ولا يٌغني حتى صار الإعلان مثاراً للتهكم والسخرية بين الجماهير والمفكرين على حد سواء ..  فشبهه الفيلسوف الإنجليزي  بنتهام بهراء   يسير على أقدام خشبية طويلة( كالتي بسير عليها الحواة) ..   فالحقوق يحميها القانون لا الإعلانات التي وصفها ( (بعمل أدبي من  الخيال) ..  وما زال المجلس يحول السلطات السياسية لنفسه .. متجاهلا الأزمة تماما.. بينما السلع الغذائية يرتفع سعرها بصورة متلاحقة غير مسبوقة .. وخاصة الخبز بعد أن اصبح   سلعة رأسمالية..   ليرتفع  سعره من50% إلى 58%   حتى وصل سعر الرغيف  إلى 88% من متوسط الأجر اليومي في الشهور الستة التي انعقد المجلس فيها . ومع الأهمية القصوى للخبز في الحياة الفرنسية.. كان هناك طبقة شبه معدمة لا تستطيع شرائه على الإطلاق.. ووصل تجاهل الأزمة رغم  الشقاء والعناء .. إلى درجة  شاع فيها  بين الناس الاعتقاد أن هناك مؤامرة وضعت خصيصا لإحداث مجاعة وقتلهم (Pacte de Famine).. وأن منع الغلال عنهم مقصود ومتعمد حتى تجني شركات الأثرياء الكبرى (corporations) مزيداً من الأرباح ..   ولو بإزهاق   أرواح الفقراء .
ولم breadrتخرج ظنون الناس بعيدا عن الواقع .. على الأقل بالنسبة للطبقة الفقيرة.. فمن الأسباب الاقتصادية المتفق عليها بين المؤرخين التقليديين أن (عوامل اقتصادية   أدت إلى الانتشار الواسع للمجاعات وسوء التغذية , مما أدى لازدياد انتشار الأوبئة والموت , مع تجويع متعمد للفئات الشعبية الأكثر احتياجا وخصوصا في الشهور الأخيرة التي سبقت الثورة)   ومن المؤكد أن لا دخل للملك في هذا التجويع المتعمد بعد أن فقد سلطته على الإنتاج وألغى الدعم وسلمَّ الغلال لأصحاب شركات التجارة الحرة .. واختفاء السلع الذي يعقبه ارتفاع في الأسعار   من حيل التجارة المعروفة في غياب الرقابة القانونية. . وبالفعل ازدحمت حقبة الثورة طوال سنواتها العشر ببلاغات تخزين السلع بهدف رفع الأسعار (Hoarding). غير إن إصرار الليبرالية الاقتصادية على عدم تدخل السلطة السيادية في الإنتاج والأسواق والتعاملات المالية .. مع الاحتفاظ بهيكلها السياسي مكن رأس المال من الاختفاء خلفها   وتحويل الغضب إليها .. منتهزاً الفرصة للتخلص منها..   فلا شك أن النظام الملكي   كان أبعد ما يكون عن المصالح الليبرالية .. وخاصة إنه كان معروفا ببذخه مثل نظام لويس السادس عشر   مما يعد خسارة مُقتطعة من أرباح المؤسسة.
 بيد أن  هذا الفصل اللامنطقي بين السياسة والاقتصاد.. جعل الغموض هائلا حتى صار ( هوس المؤامرة العامل الأساسي الذي ترتكز عليه حوادث الثورة الفرنسية ) كما وصفته المؤرخة  لين هنت (Lynn Hunt) .. خاصة في وجود عشرات من الجماعات.. سياسية واقتصادية ودينية متباينة .. ضد ومع الثورة أمثال لجنة الثلاثين واليعقوبيين والماسونيين وجماعات حقوق الإنسان والملكيين وغيرهم.. غير أن القلة المسيطرة على السلطة الثورية فعلا .. كانت مصالحها الاقتصادية والسياسية غالبا واحدة مصدرها رأسمالي علماني.
 french
ومن اللافت للنظر حقا كما يقول  جوين لويس -The French Revolution, By Gwynne Lewis,-   ( أن في كل المناسبات التي طُبقت فيها سياسة التجارة الحرة .. كان يتبعها الرفض والمقاومة الشعبية .. لكن ذلك لم يمنع المُنَظَّر دي بونت من تقديم نفس السياسة في دوامة التغيير الثوري .. فمنذ 1789- إلى 1792 أخذ المجلس الدستوري التشريعي في تطبيق نفس برنامج تورجوت الذي فشل في خلال سنوات تطبيقه 1774-1776 وفي خلال أيام من إعلان حقوق الإنسان 25 أغسطس 1789 قرر المجلس الدستوري التشريعي حرية التجارة في الغلال ).
 بالطبع مفهوم حرية التجارة  مفهوم واسع جدا لا يقتصر على الغلال .. بل يتشعب ليشمل المعتقدات الدينية والمفاهيم   السياسة والحروب علاوة على حرية التصرف في  سائر السلع والخدمات .. وقد أصدر المجلس التشريعي العديد من القوانين.. التي تلغي امتيازات الدولة في الأشراف على الصناعة..  كما تلغي نقابات العمال و وسائر النقابات المهنية (Allarde law 1791) علاوة على فصل الدين عن الدولة وإلغاء المناصب الدينية..  بل أن  روبسبير ألغى الدين كلية و دعى للإعتقاد  في (الكائن الأعلى) .. كائن القانون الطبيعي الذي يمنح البقاء للأقوياء على حساب الضعفاء .. أو اليد الخفية (invisible hand) كما أسماها آدم سميث التي تنظم احتياجات الناس وتحقق التوازن في الطبيعة والأسواق.. والتي لم تثبت وجودها في الحياة إلا في ظلام الجشع والاحتكار..   و كل هذا لا يتحقق إلا بعدم تدخل الدولة وهنا تكمن أهمية الغلال والسلع الغذائية الأساسية على وجه الخصوص والتركيز عليها .. لا لكونها السلع المتجددة الاستهلاك والربح فقط..  لكن لكونها السبب الأساسي الذي يبرر تدخل الدولة لضمان حماية الضعفاء وعدم استغلالهم .. ولضمان عدم استنزاف الدخول عامة في الغذاء   على حساب الرعاية الصحية والتعليم وغير ذلك من ضرورات رغد الأفراد المجتمعات.  
    
كان هناك .. لا شك.. شعور جماهيري عام بالاستياء تجاه الملك.. على الأقل لأنه تنازل عن حقوق شعبه وسلمها لمجموعة من المقامرين والمغامرين.. ولا شك أيضا أن الطبقة المسيطرة لم تتمكن من خداع الشعب طويلا وقد تسلل الشك والشعور بالاستغلال لنفوسهم منذ الشهور الأولى للثورة .. وخاصة بعد أن سخروهم للهجوم على سجن الباستيل ولم يجدوا به سوى سبعة مساجين (4 مزيفين وقاتل  ومحبوسان من النبلاء  بتهمة الإخلال بالشرف)    ..وكان الهدف الحقيقي هو الاستيلاء على الأسلحة  المخزنة في أبراجه   .. ومع اختفاء الخبز وارتفاع الأسعار (أكتوبر 1789) تمكن   الاعتقاد بأن الدقيق مخبأ بين الناس .. وخاصة نساء الثورة الشهيرات بمرفوعات الأكمام (bras nus) .. كناية عن انتمائهن لطبقات العمالة   الزهيدة ..   واعتقدن أن مجرد تظاهرهن على أبواب القصر في فرساي سيظهر الدقيق المفقود .. وكانت أسرة لويس قد اشتهرت منذ تأسيس فرنسا بسياسة الاكتفاء الذاتي.. والحماية الاقتصادية المتطرفة.. التي وضعها وزير المالية والاقتصادي الفذ.. كولبرت جين بابتيست في عهد لويس الرابع عشر   .. حتى عُرف الملك بخباز الأزمات الأخير .. لاهتمامه بوجود احتياطي الأساسي من الغذاء .. لذا كانوا يتندرون   بقولهم   ( دعنا نسير إلى الخباز وزوجته وصبيهم الصغير) .. وكانوا يقصدون لويس وماري انطوانيت وولي العهد..   ولم يحدث في الواقع أن قالت لهم ماري أنطوانيت كلوا بسكويت بل كانت إشاعة   .. فالملك لم يكن بباريس .. وأصرت الجماهير  على عودته للقصر حتى يشهد معاناتهم ..   وأخذت الجماهير على عاتقها إظهار الدقيق من مخابئه .. فأخذوا في غزو أسواق الغلال يبحثون عنه.. فوجدوا 150 حاوية من الدقيق وقد أصابها العفن فأرسلوا عينة منها للقصر دلالة على منع الدقيق عنهم .. ثم أصروا على البحث عنه في المحلات والفنادق وطالبوا بحق التفتيش عنه في البيوت بيتا بيتا .
واستمرت أزمة الغذاء معظم سنوات الثورة ولم تكفّ الاضطرابات والتدخل الجماهيري المباشر للاستيلاء على السلع الغذائية وتوزيعها  طوال السنوات .. حتى وصلت الأزمة  إلى ذروتها عام 1793 واستمرت حتى عام 1795  وهو العام الذي شهدت فيه فرنسا أسوأ مجاعة في تاريخها راح ضحيتها عدد كبير من الأطفال وارتفعت نسب الانتحار خاصة بين النساء بأرقام غير مسبوقة .. حتى صار انتشال الجثث من نهر السين أمراً مألوفا.. وفضلت بعض النساء كتم أنفاس أطفالهن.. على أن ترقبها تموت جوعا وصبرا.. وتكاتف رجال كافة الطبقات الشعبية.. ممن عرفوا ..ب (sans-culottes) رجال بلا سراويل قصيرة كتلك التي يرتديها أثرياء العصر..   مع  النساء في ثورة جماهيرية كبرى .. كان مطلبهم واحدا هو تدخل الدولة بالرقابة على الأسعار وتأمين السلع الغذائية .. ذلك هو المعيار الشعبي لنجاح أي سياسة.. فلا داعي لحكومة لا تؤمن للشعب حق البقاء.. ومن ناحية أخرى ..  كانت المساواة تعني بالنسبة لهم المساواة في كل الأمور.. التعليم والرعاية و الأجور وعدالة توزيع الملكية.. لا مساواة القانون الطبيعي التي لا تصلح سوى للحيوانات..   والتي تعطي للأقوياء حقا  يالإثراء والثراء والملكية بلا قيود أو حدود.
 كون الرجال والنساء معا قوة لا يستهان بها .. تمثل ما يزيد عن 90% من خريطة السكان .. ينتمون لجماعة واحدة سميت بجمعية الجماهير الثورية  شملت جميع الفئات الشعبية.. من فقراء وأجراء وعمال مهرة وحرفيين وصغار المزارعين وأصحاب المحال.. وهم أصحاب شعار الثورة الشهير : المساواة , الإخاء, الشرعية .   توددت لهم الجماعات السياسية    وتظاهرت بمجاراتهم.. فكان أن وصل اليعقوبيون المتطرفون على أكتافهم ليرأسوا جمعية   الحكم (The convention 1792-1795) التي انبثقت  منها لجنة الأمن الوطني(Committee of Public Safety) التي حكمت فرنسا بالرعب والإرهاب (The Reign of Terror)       بقيادة روبسبير -Maximilien Robespierre - .. واستطاعت الجماهير فرض نفسها على الساحة .. واستجابت اللجنة التشريعية لمطلبهم الدؤوب بأن أصدرت قوانين  تضع حدا أقصى   “the maximum 1793 لأسعار   الغلال   وتجعل تخزين السلع الغذائية وعدم عرضها للبيع (hoarding) جريمة عظمى عقوبتها الإعدام.. غير أن تلك التدابير لم تفلح في كبح جماح رأس المال وسرعان ما تم إلغاء الرقابة على الأسعار ولم تطبق جريمة التخزين إلا على الضعفاء والخصوم السياسيين .. وقد ضاق اليعقوبيون   بالجماهير الثورية زرعا لعظيم إصرارهم ولثورتهم المضادة التي لم تهدأ أبدا وخاصة مع بداية أشتداد  أزمة الغذاء  عام 1793 .
  122781 وبعد أن قررت جمعية الحكم   إرسال الملك  للمقصلة (17 يناير 1793).. وذبحوا النبلاء ورجال الدين وكل من له علاقة بالقصر في سجونهم (وعددهم 1500) وتمكنوا من السلطة ..   تنكروا للجماهير الثورية تماما وتعالوا عليهم    فنعتوهم    بأحط الصفات.. كالمجانين (enragés).. و الخنازير في حفرة لا تفكر في غير الطعام .. وعقول ذباب   لا يحط سوى   على الطعام .. ومنعوا النساء من التظاهر أو الاجتماع وحذروا عليهن ممارسة أي نشاط سياسي ووصفوهن بالعاهرات .. ولم تخفت الثورة قليلا إلا بأحكام الرعب وإعمال نصل مقصلة الثورة الشهيرة والتي راح ضحيتها40,000 في غضون شهور قليلة (94-1793 ) كان معظمهم من جماهير الثوار. كان الرعب كما افصح روبسبير في خطاب له ( فبراير 1794) عشية محاكمة جماعية لآلاف المتهمين ضرورة ديموقراطية : (الرعب هو لا شئ سوى عدل سريع وحازم وغير مرن.. هو ليس مبدأ في حد ذاته بقدر ما هو نتيجة للديموقراطية كمبدأ عام عندما تطبقه الدولة عند الضرورة). ورغم ذلك لم تكف الجماهير عن النضال .. واقتحمت مجلس الحكم مرارا تطالب بالخبز أو الموت.. والخبز والدستور .. حتى تحولت المواجهة لحرب أهلية في وقت ذروة المجاعة ( مايو 1795)   حيث تحالف الجوع والرعب والسلاح في القضاء على ما تبقى من روح المقاومة..
 بيد أن الرعب لم يتوقف .. بل تلون وتشكل .. ليتبع   رعب روبسبير حكمٌ آخرَ عُرف بالإرهاب الأبيض (white terror) انقض على ذاته.. يقطع رؤوس رموزه وعلى رأسهم روبسبير ومن معه..  إذ  هدد   بقتل الأثرياء لأنانيتهم واستغلال الناس وعدم مراعاة محنتهم ..بعد أن  فشلت يد الطبيعة الخفية في إطعام الأفواه.    ومع كل حفل رعب تكون قوانين وقرارات ليبرالية جديدة.. مسبوقة بحلم السيطرة على العالم و إعادة تشكيل الحضارات..   حيث القانون الطبيعي واحد لا يتجزأ. guillo
 وفي خطابه الأخير ..   ربط بروسبير مصير فرنسا بحجم سيطرتها على الطبيعة في الخارج والداخل ( فالقوتان المتضاربتان الخير والشر اللتان تتصارعان من أجل حكم الطبيعة ..   في تلك اللحظة التاريخية العظمى ..   اتخذت من فرنسا مسرحا لمواجهتها المخيفة   وللحرب من أجل تحديد مصير العالم بصورة لا رجعة فيها..   علينا كتم أنفاس أعداء الشعوب في الداخل والخارج أو أن ننتهي أنفسنا .. في موقف كهذا لابد أن يكون مبدأكم السياسي الأعلى قيادة  الشعوب بالعقل.. وأعداء الشعوب بالإرهاب) .. وتلك معضلة أخرى فالليبرالية تصر على إلغاء ثقافة الأمم وإستبدالها  بثقافة رأس المال.. بالعنف والقوة.. لضمان حريتها.. ولو على حساب حريات الشعوب في الداخل والخارج..   كان روبسبير يشير للحروب التي انخرطت فيها الثورة  لتصدير مبادئها .. منذ سنواتها الأولى..  بعد أن أعدت فرنسا أكبر جيشا عرفته  دولة أوروبية في تاريخها .. قوامه (800,000   جندي)  وجعلت الانضمام إليه إجبارياً على غير المتزوجين من الرجال.. وأرسلت حملاتها بقيادة  نابليون في كل صوب   عبر أوروبا وحتى روسيا ومصر ومالطا .. لتأتي لها بالأموال .. بعد أن انحط الإنتاج لدرجات دنيا .. وبعد أن قضى اقتصاد الربح السريع الليبرالي على المهن والحرف وصادر الأراضي الزراعية .. وانخرطت الثورة في طباعة النقد الورقي بلا غطاء مما يتيح للأثرياء جمع أصول البلاد من أراضي الكنيسة والإقطاع بلا ثمن يذكر.. وتمادت في طباعة الورق النقدي   ( 18 مليار جنيه فرنسي).. حتى انهارت العملة تماما وأصبحت لا تساوي ثمن الورق  المطبوعة عليه.. وفقد الناس كل مدخراتهم لتصبح بلا  أي قيمة شرائية .. وأصبحت فرنسا مفلسة تماما.. لا ينقذها سوى المسروقات والضرائب التي فرضتها على   البلدان المنهزمة وخاصة كنوز الكنائس والقصور التي نهبتها جيوش نابليون من روما وأُرسلت  إلى فرنسا .
 وانطفأت جذوة الثورة تدريجيا .. دون أي قيمة حقيقية .. سوى الثورات المضادة التي    اكتظت بها الحقبة معظم سنواتها.. والتي رفضت رفضا باتا تسليم  الشعب  أو التنازل عن سيادته وحقه في تأمين حياته و معتقداته .. لتحقيق مأرب   طبقة من الرأسماليين المستفيدين.. والتي انتهت بعد طول المعاناة والشقاء إلى دكتاتورية يحكمها نابليون .. سعد بها الناس كثيرا لا لسبب سوى لكفاءته في تحقيق الأمن وتأمين المعيشة بالعودة لاقتصاد   كولبرت فائق الحماية .. فأغلق الأبواب على الغزو التجاري .. حتى يبني اقتصاده أولا ويكتفي بذاته.. قبل أن يحقق طموحاته في  غزو العالم  وامتلاك اقتصاده.. ولم يتحقق حلمه بعد أن تحالفت أوروبا وروسيا والدولة العثمانية لوضع حد  لطموحاته.. . وانحدرت فرنسا  إلى دولة عادية بين الدول الأوروبية حتى يومنا هذا  بعد أن كانت القوة الأعظم في العالم   لما يقرب من قرنين من الزمان.. ولولا أن تخلى لويس السادس عشر عن اقتصاد كولبرت.. كما يرى عديد من رجال الاقتصاد والسياسة.. ما كانت الثورة ولا كانت الحروب ولا كان نابليون .
 
http://66.102.9.104/search?q=cache:7DHj_XZK2N0J:mises.org/story/1489+french+revolution+and+trade&hl=en&ct=clnk&cd=9&gl=eg
 
http://en.wikipedia.org/wiki/French_revolution
http://en.wikipedia.org/wiki/Pacte_de_Famine
 
http://66.102.9.104/search?q=cache:1ovZR1Eskl4J:www.ucl.ac.uk/Bentham-Project/journal/alexander.htm+bentham+and+burke+critical+french+revolution&hl
=en&ct=clnk&cd=3&gl=eg
http://www.marxists.de/gender/cliff/02-frrev.htm
http://www.marxists.org/history/france/revolution/robespierre/1794/terror.htm
http://66.102.9.132/search?q=cache:urTonU96_IcJ:www.newadvent.org/cathen/09212a.htm+french+revolution+liberalism+against+religion&hl=ar&ct=clnk&cd=6&gl=eg
http://66.102.9.132/search?q=cache:KkjWcM2l_lwJ:chestofbooks.com/finance/economics/Commerce-and-Finance/Commerce-Of-France-Continued-Colbert-John-Law-The-Frenc.html+french+revolution+free+trade+laws&hl=en&ct=clnk&cd=17&gl=eg
 
كتب
The French Revolution, By Gwynne Lewis, pp62-68
Historical Dictionary of the French Revolution
 By Paul R. Hanson
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عولمة التجويع | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج



1-Hit Free Search Engine Submit